سياسة

حكومة على حافة “تصريف الأعمال” عرض الحصيلة أمام البرلمان يفتح أسئلة كبرى حول مشاريع القوانين المعطلة ومصير الأوراش الإصلاحية

في لحظة سياسية دقيقة، يستعد رئيس الحكومة عزيز أخنوش لتقديم عرض شامل حول حصيلة عمل حكومته أمام جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان، وذلك طبقاً لمقتضيات الفصل 101 من الدستور، في خطوة تبدو في ظاهرها ممارسة دستورية عادية، لكنها في عمقها تثير نقاشاً واسعاً حول دخول السلطة التنفيذية مرحلة حساسة قد تتحول فيها إلى مجرد حكومة لتصريف الأعمال، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وتشريعية.

هذا العرض، الذي يأتي في سياق اقتراب نهاية الولاية التشريعية، لا يُقرأ فقط كجرد للإنجازات، بل كمحطة مفصلية تضع الحكومة أمام اختبار المساءلة السياسية، خاصة في ظل تراكم ملفات كبرى لم تُحسم بعد، وتعثر واضح في إخراج عدد من مشاريع القوانين الحيوية.

وفق الإطار الدستوري المؤطر لعمل الحكومة، فإن الانتقال إلى وضعية “تصريف الأمور الجارية” ليس مجرد توصيف سياسي، بل حالة قانونية دقيقة تنظمها مقتضيات القانون التنظيمي رقم 065.13، خاصة المادتين 36 و37، إلى جانب الفصلين 47 و87 من الدستور.

في هذه المرحلة، تُجرد الحكومة عملياً من صلاحياتها الاستراتيجية، لتقتصر مهامها على اتخاذ التدابير الإدارية المستعجلة والقرارات الضرورية لضمان استمرارية المرافق العمومية، دون القدرة على اتخاذ قرارات كبرى أو إطلاق إصلاحات هيكلية أو المصادقة على مشاريع قوانين ذات أثر طويل المدى.

وبمعنى أوضح، فإن الحكومة تصبح في وضع “تدبير يومي” بدل “قيادة سياسية”، وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً في سياق وطني يحتاج إلى تسريع وتيرة الإصلاحات، لا إلى تجميدها.

أحد أبرز الإشكالات التي تطرحها هذه المرحلة يتمثل في مصير عدد من مشاريع القوانين التي ظلت حبيسة رفوف البرلمان، أو لم تر النور أصلاً، رغم أهميتها في استكمال البناء التشريعي لمجالات حيوية.

ويتعلق الأمر، على سبيل المثال، بإصلاحات مرتبطة بمنظومة العدالة، والقوانين المؤطرة للحماية الاجتماعية، ومشاريع ذات صلة بالاستثمار والشغل، فضلاً عن نصوص تنظيمية كان من المفترض أن تواكب تنزيل أوراش كبرى أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة.

كما أن عدداً من مقترحات القوانين التي تقدم بها البرلمانيون، إلى جانب الأسئلة الكتابية وطلبات مناقشة القضايا الآنية، ظلت دون تفاعل حكومي كافٍ، ما يعزز الانطباع بوجود بطء مؤسساتي في التفاعل مع المبادرات التشريعية والرقابية.

في موازاة ذلك، يقترب البرلمان من اختتام ولايته التشريعية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد، حيث تتقاطع نهاية الزمن البرلماني مع مرحلة انتقالية حكومية، تطرح تساؤلات جدية حول فعالية العمل المؤسساتي في هذه الفترة.

هذا الوضع يضع الحكومة في “منطقة رمادية”، بين الاستمرار الشكلي في أداء مهامها، والتراجع العملي في قدرتها على اتخاذ قرارات كبرى، وهو ما قد ينعكس سلباً على وتيرة الإصلاحات، وعلى ثقة الرأي العام في الأداء الحكومي.

من المنتظر أن يركز عرض عزيز أخنوش على إبراز ما تعتبره الحكومة منجزات في مجالات الاقتصاد، والاستثمار، والدعم الاجتماعي، والتشغيل، غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عرض الأرقام، بل في مدى انعكاس هذه السياسات على الواقع اليومي للمواطنين.

ففي ظل استمرار تحديات مثل ارتفاع الأسعار، وإشكالات التشغيل، وتفاوتات مجالية واجتماعية، يظل السؤال المطروح: هل نجحت الحكومة فعلاً في تحقيق الأثر المطلوب، أم أن جزءاً من هذه الحصيلة بقي حبيس التقارير الرسمية؟

أكثر من أي وقت مضى، تبدو الحاجة ملحة إلى تقييم سياسي صريح وموضوعي لعمل الحكومة، بعيداً عن لغة التبرير أو التهوين، خاصة وأن المرحلة المقبلة تتطلب وضوحاً في الرؤية، وحسماً في الأولويات، وتسريعاً في وتيرة الإصلاح.

فالانتقال إلى وضعية “تصريف الأعمال” لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتعليق القرارات أو تأجيل الملفات، بل إلى لحظة لتقييم المسار، واستخلاص الدروس، وضمان انتقال سلس نحو مرحلة حكومية جديدة أكثر نجاعة وفعالية.

بين عرض الحصيلة واقتراب نهاية الولاية، تقف الحكومة عند مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على ما تحقق، بل امتد إلى ما لم يتحقق، وإلى ما قد يتعطل في حال دخولها مرحلة تصريف الأعمال.

وفي ظل هذا السياق، يبقى الرهان الأكبر هو الحفاظ على استمرارية الدولة ومصالح المواطنين، دون الوقوع في فراغ سياسي أو تشريعي، وهو تحدٍ يختبر فعلياً مدى نضج المؤسسات وقدرتها على تدبير المراحل الانتقالية بكفاءة ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى