اقتصاد

في قلب العاصفة الطاقية العالمية ليلى بنعلي تبرز صمود المغرب: مخزون مؤمَّن، دعم مالي ضخم، وتسريع غير مسبوق للانتقال الطاقي

قدّمت ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، عرضاً حكومياً مفصلاً أمام البرلمان، كشفت من خلاله عن ملامح التدبير المغربي للأزمة الطاقية العالمية المتفاقمة، مؤكدة أن المملكة تمكنت من الحفاظ على توازنها في سياق دولي شديد التعقيد، يتسم بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق ممرات استراتيجية حيوية على رأسها مضيق هرمز.

وفي مداخلة قوية عكست حجم التحديات، شددت الوزيرة على أن ما يشهده العالم اليوم يفوق في تأثيره أزمات الطاقة الكبرى لسنتي 1973 و1979 وحتى أزمة 2012، بالنظر إلى تعقيد سلاسل الإمداد وتشابك المصالح الجيوسياسية، مبرزة أن أكثر من 20 في المائة من النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والمواد البتروكيميائية التي تدخل في صناعات حيوية، وهو ما جعل أي اضطراب في هذا الممر ينعكس فوراً على الأسعار وتكاليف النقل والتأمين عبر العالم.

وأبرزت بنعلي أن الحكومة تعاملت مع هذه التطورات بمنطق استباقي ومسؤول، حيث نجح المغرب في تأمين مخزون استراتيجي من المحروقات يغطي عدة أسابيع، مع العمل المتواصل على تنويع مصادر الاستيراد بما يعزز الأمن الطاقي الوطني ويقلل من الارتهان لمصدر واحد، مؤكدة أن الوضعية التموينية للمملكة ظلت مستقرة دون تسجيل أي انقطاع أو اضطراب في تزويد السوق الوطنية.

وفي هذا الإطار، كشفت الوزيرة أن مستوى المخزون الحالي يبلغ حوالي 47 يوماً من الاستهلاك بالنسبة للغازوال، وأكثر من 49 يوماً بالنسبة للبنزين، في وقت تظل فيه الإمدادات مضمونة للأشهر الثلاثة المقبلة، مع مواصلة العمل لتأمين الحاجيات إلى غاية نهاية السنة، بفضل عقود توريد متنوعة تشمل الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الجنوبية وعدداً من الدول الأوروبية، إلى جانب عقود الغاز الطبيعي والفحم التي تغطي الاحتياجات إلى نهاية يونيو.

ولم يقتصر تدخل الحكومة على تأمين الإمدادات، بل شمل كذلك إجراءات مالية واجتماعية لتخفيف وقع الأزمة على المواطنين والمهنيين، حيث أوضحت بنعلي أن الدولة عبأت غلافاً مالياً يناهز 1.6 مليار درهم لدعم عدد من المواد والخدمات الأساسية، في خطوة تعكس حرص السلطة التنفيذية على حماية القدرة الشرائية وضمان استقرار السوق.

وفي تفاصيل هذا الدعم، أكدت الوزيرة أن كلفة دعم غاز البوطان ارتفعت بشكل ملحوظ لتبلغ 78 درهماً لقنينة 12 كيلوغراماً، مقارنة بـ30 درهماً قبل اندلاع الأزمة، كما تم الحفاظ على أسعار الكهرباء رغم ارتفاع كلفة الإنتاج، وهو ما يكلف ميزانية الدولة حوالي 400 مليون درهم شهرياً، في حين جرى تخصيص دعم مباشر لقطاع النقل بقيمة 3 دراهم لكل لتر، بما يعادل نحو 648 مليون درهم شهرياً، بهدف الحد من تأثير ارتفاع أسعار المحروقات على المهنيين.

وفي ما يتعلق بضبط السوق، شددت المسؤولة الحكومية على أن آليات المراقبة تم تعزيزها، خصوصاً من طرف مجلس المنافسة، لضمان انتقال شفاف ومتوازن للأسعار الدولية إلى السوق الوطنية، مبرزة أن الزيادات العالمية لا تنعكس بشكل كامل على الأسعار الداخلية، وهو ما يوفر نوعاً من الحماية للمستهلك المغربي من تقلبات السوق الدولية.

وعلى مستوى الرؤية الاستراتيجية، حرصت بنعلي على إبراز فعالية السياسة الطاقية التي اعتمدها المغرب منذ مطلع الألفية، والتي تقوم على تطوير الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية، معتبرة أن الظرفية الحالية أكدت صواب هذا التوجه، بل وجعلت من تسريع الانتقال الطاقي ضرورة سيادية لمواجهة التقلبات العالمية.

وفي هذا السياق، كشفت الوزيرة عن دينامية استثمارية غير مسبوقة، حيث تم رفع متوسط الاستثمارات السنوية في الطاقات المتجددة أربع مرات، والاستثمارات في الشبكة الكهربائية خمس مرات، كما تم خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط من سنة 2026 منح تراخيص لمشاريع طاقية تعادل 94 في المائة من مجموع التراخيص الممنوحة بين 2009 و2025، بطاقة إجمالية تصل إلى 12.6 جيغاواط، مع دخول 600 ميغاواط إضافية حيز الإنتاج خلال السنة الجارية في إطار 25 مشروعاً جديداً.

وبخصوص التخزين، أقرت بنعلي بوجود تحديات قائمة، خاصة فيما يتعلق ببعض المواد مثل وقود الطائرات وغاز البوطان، إلا أنها أكدت أن القدرات الحالية في البنزين والغازوال تتجاوز 80 يوماً، مع إعداد مخطط خماسي للفترة 2026-2030 يهدف إلى تعزيز البنية التخزينية وتحديد الحاجيات المستقبلية ضمن رؤية شمولية للأمن الطاقي.

وختمت الوزيرة عرضها بالتأكيد على أن الانتقال الطاقي لم يعد خياراً تقنياً فقط، بل أصبح ركيزة أساسية للسيادة الوطنية، مشددة على أن اعتماد المغرب على الطاقات المتجددة يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة تقلبات السوق الدولية، خاصة في ظل كونه بلداً مستورداً للطاقة، وهو ما يجعل من تسريع هذا الورش الاستراتيجي أولوية قصوى لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في عالم تتزايد فيه المخاطر الجيوسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى