تقنين القنب الهندي في المغرب بين الوعود والواقع… فلاحو “الكيف” ينتظرون والأسئلة تحاصر تدبير الوكالة

كان قرار تقنين زراعة القنب الهندي في المغرب خطوة جريئة راهنت عليها الدولة لتحويل زراعة تقليدية ظلت لسنوات طويلة خارج الإطار القانوني إلى قطاع اقتصادي منظم يخلق الثروة ويضمن عيشاً كريماً لآلاف الفلاحين في مناطق الريف. غير أن هذا الورش، الذي كان من المفترض أن يشكل تحولاً تاريخياً في الاقتصاد القروي، بدأ يثير موجة متزايدة من الانتقادات بسبب البطء في التنفيذ وغياب نتائج ملموسة على أرض الواقع.
فبعد سنوات من إطلاق مشروع التقنين، ما تزال فئات واسعة من الفلاحين في الأقاليم المعروفة تاريخياً بزراعة الكيف، خاصة الحسيمة و**شفشاون** و**تاونات**، تنتظر تحقيق الوعود التي رافقت هذا المشروع، في وقت تتزايد فيه الشكاوى من تعثر تنزيله في الميدان.
بروتوكولات واتفاقيات… لكن دون أثر واضح في الحقول
في الأيام الأخيرة، جرى في الرباط توقيع بروتوكول اتفاق بين الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية و**الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي**، يهدف إلى تحديد مساطر تسجيل المنتجات الصحية المستخلصة من القنب الهندي.
وقد وقع الاتفاق كل من المدير العام لوكالة الأدوية سمير أحيد ومدير وكالة التقنين محمد الكروج، في إطار تنزيل القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي.
وتؤكد الوثائق الرسمية أن هذا البروتوكول يروم تسريع المساطر الإدارية وتبسيط الإجراءات أمام المتعاملين في القطاع، مع ضمان جودة المنتجات الصحية وسلامتها وفق المعايير الدولية.
غير أن هذه المعطيات، التي يتم الترويج لها في البلاغات الرسمية، ما تزال بالنسبة لكثير من الفلاحين مجرد أرقام واتفاقيات على الورق، إذ لا يلمسون أثراً حقيقياً لهذه الإجراءات في الميدان، ولا يرون انعكاساً مباشراً لها على تحسين أوضاعهم الاقتصادية.
فلاحون في الانتظار… وأسواق غائبة
المشكلة الأكبر التي يطرحها المهنيون اليوم لا تتعلق فقط بالتراخيص أو بالإطار القانوني، بل أساساً بغياب منظومة تسويق واضحة للمنتوج.
فالفلاحون الذين حصل بعضهم على تراخيص الزراعة يجدون أنفسهم أمام معضلة حقيقية: من سيشتري المنتوج؟ وأين ستسوق هذه المحاصيل؟
إلى حدود الساعة، ما تزال الأسواق الداخلية شبه غائبة، كما أن سلاسل التصنيع والتصدير لم تتبلور بالشكل الذي يسمح بتحويل القنب الهندي إلى صناعة حقيقية.
وهذا الوضع خلق حالة من الإحباط في صفوف الفلاحين الذين كانوا يأملون أن يشكل التقنين فرصة تاريخية للخروج من دائرة الاقتصاد غير المهيكل.
إدارة تحت المجهر
في قلب هذه الانتقادات توجد الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي، التي يترأسها محمد الكروج.
فعدد من المهنيين يرون أن تدبير هذا الورش الاستراتيجي لم يرتق بعد إلى مستوى التحديات المطروحة، وأن الوكالة لم تنجح حتى الآن في تحويل التقنين إلى دينامية اقتصادية حقيقية يستفيد منها الفلاحون.
كما يشتكي كثيرون من بطء المساطر الإدارية وتعقيد الإجراءات، فضلاً عن غياب تواصل واضح مع المهنيين حول مستقبل القطاع.
جدل حول المستثمرين المستفيدين
إلى جانب هذه المشاكل، بدأت تثار في الأوساط المهنية تساؤلات حساسة حول هوية المستثمرين الذين استفادوا من التراخيص المرتبطة بهذا القطاع الجديد.
ففي الكواليس تتداول أخبار عن استفادة شخصيات سياسية ورجال أعمال وحتى بعض البرلمانيين من مشاريع مرتبطة بالقنب الهندي، في حين يشعر عدد من الفلاحين بأن أبناء مناطق الكيف التاريخية تم تهميشهم في هذا الورش الوطني.
هذه المعطيات المتداولة، رغم أنها لم تؤكد رسمياً، خلقت حالة من الشك داخل القطاع، وهو ما دفع فاعلين مهنيين إلى المطالبة بالكشف عن لوائح المستثمرين والشركات المستفيدة من التراخيص، ضماناً للشفافية وتكافؤ الفرص.
دروس من التجارب الدولية
في دول مثل كندا و**الولايات المتحدة** و**سويسرا**، تحول تقنين القنب الهندي إلى قطاع اقتصادي ضخم يقوم على منظومة متكاملة تشمل الزراعة والتصنيع والبحث العلمي والتصدير.
هذه الدول لم تكتف بمنح تراخيص للفلاحين، بل أنشأت صناعات متطورة وأسواقاً منظمة، ما جعل القنب الهندي مورداً اقتصادياً مهماً يدر مليارات الدولارات سنوياً.
أما في المغرب، فرغم الإمكانيات الزراعية الكبيرة والخبرة التاريخية للفلاحين، فإن هذا القطاع ما يزال في مرحلة التعثر بسبب بطء التنزيل وغياب رؤية اقتصادية واضحة.
ورش استراتيجي يحتاج إصلاح المسار
إن تقنين القنب الهندي لم يكن مجرد إجراء قانوني عابر، بل مشروع اقتصادي واجتماعي ضخم راهنت عليه الدولة لتحسين أوضاع آلاف الأسر القروية وإدماج اقتصاد ظل لسنوات خارج القانون.
لكن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بوجود حكامة قوية وشفافية في تدبير التراخيص وسرعة في خلق سلاسل إنتاج وتسويق حقيقية.
اليوم، وبين البلاغات الرسمية والواقع الذي يعيشه الفلاحون في الجبال، تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وهو ما يجعل الكثيرين يتساءلون: هل ستتمكن الجهات المسؤولة من تصحيح المسار وإعادة الثقة إلى هذا القطاع الواعد، أم أن “الذهب الأخضر” للمغرب سيظل مشروعاً مؤجلاً ينتظر من يحسن تدبيره؟






