سياسة

رمضانيات سياسية – الحلقة الثانية حزب الأصالة والمعاصرة بفاس… من المرتبة الثانية إلى حسابات القلق قبل 2026

سلسة “رمضانيات سياسية” من إعداد : عبدالله مشواحي الريفي

في السياسة كما في رمضان، لحظة الصيام ليست فقط امتناعاً عن الطعام، بل وقفة تأمل ومراجعة حساب. والأحزاب، وهي تستعد لاستحقاقات 2026، تجد نفسها اليوم أمام مرآة قاسية تعكس حصيلة خمس سنوات كاملة من التدبير، التنسيق، الحضور… أو الغياب.

في هذه الحلقة الثانية من سلسلة “رمضانيات سياسية”، نسلط الضوء على وضعية حزب الأصالة والمعاصرة بمدينة فاس: ماذا قدّم الحزب بعد انتخابات 2021؟ كيف دبر موقعه داخل التحالف المحلي؟ وأين يقف اليوم وهو يتهيأ لامتحان 2026؟

المرتبة الثانية… والبداية المرتبكة

دخل حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 2021 بفاس بقوة تنظيمية معتبرة، وتمكن من احتلال المرتبة الثانية بالمدينة، ليصبح رقماً صعباً داخل معادلة تدبير الشأن المحلي، سواء على مستوى مجلس المدينة أو بعض المقاطعات، وعلى رأسها مقاطعة المرينيين ومقاطعة أكدال.

المؤشرات آنذاك كانت توحي بأن الحزب، بحكم كتلته الانتخابية وعدد منتخبيه، قادر على لعب دور توازني داخل التحالف المحلي، والمساهمة في صناعة القرار، والترافع بقوة عن قضايا الساكنة. غير أن ما تلا ذلك لم يكن في مستوى التوقعات.

فبعد مرور سنوات على تحمل المسؤولية، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: ما الذي أضافته نخب “البام” لتدبير الشأن المحلي بفاس؟
الجواب، وفق قراءة ميدانية لواقع المجالس، يبدو قاسياً: حضور باهت، مبادرات محدودة، وترافع سياسي لم يرتقِ إلى حجم الانتظارات.

تدبير بلا بصمة… ومشاركة بلا أثر

رغم المشاركة في التحالف المحلي، لم يتمكن الحزب من فرض بصمته السياسية داخل مجلس المدينة أو داخل المقاطعات التي يشرف عليها. فالمعارك الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية، النقل، التهيئة الحضرية، وتنظيم المجال، لم يكن للبام فيها صوت قوي أو مبادرة مؤثرة.

في مقاطعتي المرينيين وأكدال، اللتين حصل عليهما الحزب، كان الرهان على تقديم نموذج تدبيري مغاير يعكس “البديل الحداثي” الذي يرفعه الحزب كشعار. لكن الواقع كشف عن جمود تنظيمي، وضعف في التواصل، وغياب مبادرات نوعية تُحسب للحزب.

بل إن كثيراً من المنتخبين بدوا وكأنهم يكتفون بحضور الجلسات الرسمية، دون اشتغال ميداني منظم أو تواصل مستمر مع القواعد الانتخابية.

صراع مع السلطات… أم سوء تقدير سياسي؟

من بين المحطات التي أثرت على صورة الحزب محلياً، دخوله في صراع سياسي مع السلطات، عبر بعض برلمانييه بالدائرتين الشمالية والجنوبية.

فبدل أن ينحصر الترافع في قضايا الساكنة ومشاريع المدينة، تحوّل المشهد أحياناً إلى تنابز سياسي ومواجهات خطابية، انعكست سلباً على دور الحزب في التنسيق المؤسساتي.
السياسة ليست صداماً دائماً، بل فن إدارة التوازنات، وهو ما بدا أن الحزب لم يُحسن توظيفه في لحظات معينة.

هذا التوتر أثّر على صورة الحزب، وجعل حضوره أقرب إلى ردود فعل ظرفية بدل استراتيجية سياسية واضحة المعالم.

صراعات داخلية… حين يأكل الحزب نفسه

إذا كان التدبير الخارجي يعاني من ضعف، فإن الجبهة الداخلية لم تكن أفضل حالاً.

البداية كانت مع الكاتب الإقليمي للدائرة الجنوبية،وهو ذات الشخص الذي يترأس مقاطة أكدال الذي دخل في مواجهات مع ما يُعرف بـ“صقور الحزب”، قبل أن يختفي تدريجياً عن المشهد التنظيمي، ويغيب عن الاجتماعات، وسط حديث عن تنسيق سري مع أحد أحزاب التحالف في أفق إعلان الالتحاق به مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.

هذا المعطى لم يكن معزولاً، بل جاء في سياق أوسع من الصراعات الداخلية التي وصلت، وفق معطيات متداولة، إلى حد الاشتباك داخل مقر الحزب نفسه.
حين تصل الخلافات السياسية إلى مستويات العنف الرمزي أو المادي، فإن الرسالة التي تصل للناخبين تكون واضحة: الحزب يعيش أزمة قيادة وانضباط.

جمود تنظيمي… وهياكل على الورق

رغم توفر الحزب على كتلة من المنتخبين، إلا أن الهياكل المحلية تبدو شبه معطلة.
لا اجتماعات دورية منتظمة، لا تنسيقيات قوية بالمقاطعات، ولا انخراط فعلي للشباب والنساء في دينامية حزبية مستمرة.

ما يُعقد من لقاءات في بعض الأحيان يظهر الحزب في صورة تنظيم قوي، لكن ميدانياً تبدو القواعد ضعيفة، والامتداد التنظيمي محدود.
ويُسجَّل أن بعض الاجتماعات تعتمد على “سياسة الإنزال”، حيث يُستقدم مناضلون من خارج المجال لإظهار كثافة عددية، في حين أن الحضور المحلي الفعلي يبقى محدوداً.

هذا التناقض بين الصورة والواقع يُضعف الثقة، ويعزز الإحساس بأن الحزب يعيش على رصيده الانتخابي السابق دون تجديد حقيقي.

قيادات مركزية… محاولة إنقاذ قبل 2026

أمام هذا الوضع، شهدت فاس في الآونة الأخيرة زيارات متتالية لقيادات مركزية من الحزب، في محاولة واضحة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وامتصاص حالة التذمر، والاستعداد المبكر لاستحقاقات 2026.

الرسائل المركزية كانت واضحة:

  • ضرورة إنهاء الصراعات الداخلية؛

  • تجديد النخب؛

  • استقطاب وجوه جديدة ذات مصداقية؛

  • إعادة هيكلة التنظيم المحلي.

كما يُتداول أن الحزب يتجه نحو تقديم وجه جديد بالدائرة الشمالية للانتخابات البرلمانية المقبلة، مع إبعاد بعض الأسماء النافذة التي ارتبط اسمها بسياسة “الطوائف” والصراعات الداخلية.

غير أن السؤال يبقى مطروحاً: هل يكفي تغيير الوجوه لإعادة الثقة، أم أن الأزمة أعمق من مجرد إعادة توزيع الأدوار؟

أزمة نخبة… لا أزمة حظ

المشكل في فاس لا يبدو مرتبطاً بسوء حظ انتخابي، بل بأزمة نخبة.
فالحزب، بهذه التشكيلة الحالية، لم ينجح في إنتاج قيادات محلية قادرة على الجمع بين الكفاءة المهنية، الحضور الميداني، والقدرة على الترافع المؤسساتي الهادئ والفعال.

السياسة لم تعد مجرد تحالفات انتخابية أو صراعات مواقع، بل أصبحت رهينة بالكفاءة، التواصل، والقدرة على تقديم حلول واقعية لمشاكل المدينة.

وفاس، بكل تعقيداتها الاجتماعية والاقتصادية، تحتاج إلى نخب تُحسن قراءة التحولات، لا إلى وجوه تُعيد إنتاج الصراعات.

بين الأمس والغد… أي مستقبل لـ“الجرار” بفاس؟

اليوم، يبدو حزب الأصالة والمعاصرة بفاس أمام مفترق طرق حقيقي.
إما أن ينجح في:

  • وقف نزيف الاستقالات؛

  • إعادة بناء هياكله المحلية؛

  • استقطاب كفاءات ذات مصداقية؛

  • إنهاء منطق الطوائف والتكتلات؛

أو أن يدخل استحقاقات 2026 وهو مثقل بإخفاقات المرحلة السابقة، ما قد يجعله يؤدي فاتورة سياسية قاسية.

الناخب الفاسي لم يعد يصوّت للشعارات، بل للحصيلة.
وإذا كانت حصيلة 2021–2026 لا تحمل إنجازات واضحة أو مواقف قوية لصالح المدينة، فإن الرهان الانتخابي المقبل سيكون بالغ الصعوبة.

في رمضان، تُفتح دفاتر الحساب.
وحزب الأصالة والمعاصرة بفاس، وهو يستعد لامتحان 2026، مطالب قبل أي شيء بمحاسبة نفسه.

لا يكفي عقد الاجتماعات، ولا إنزال الحشود في القاعات، ولا تغيير بعض الأسماء هنا وهناك.
المعركة الحقيقية هي استعادة الثقة.

إن استمر الحزب في إدارة خلافاته بمنطق الغلبة، وفي تقديم وجوه مرتبطة بصراعات الطوائف بدل الكفاءة، فإنه لن يخسر فقط مقاعد انتخابية، بل سيخسر موقعه كرقم صعب في معادلة فاس السياسية.

أما إذا اختار المصارحة والتجديد الحقيقي، فقد يمنح نفسه فرصة ثانية.

السياسة لا ترحم المترددين.
وفاس، المدينة العتيقة بوعيها السياسي المتجدد، لا تمنح أصواتها إلا لمن يقنعها بالفعل… لا بالضجيج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى