قضايا

فضيحة المحجز البلدي لجماعة فاس تعود من الباب الواسع الدرك يعمّق البحث في شبهة تزوير… ومسؤولية العمدة البقالي تحت المجهر

لم تعد اختلالات تدبير المحجز البلدي بمدينة فاس مجرد “حوادث معزولة” أو أخطاء إدارية عابرة، بل تحولت، مع توالي الملفات والفضائح، إلى عنوان صارخ لفشل الحكامة المحلية واستباحة مرافق الجماعة في عهد العمدة عبدالسلام البقالي، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤال الرقابة والمسؤولية السياسية.

فقد قرر نائب الوكيل العام للملك المكلف بجرائم الأموال لدى محكمة الاستئناف بفاس، زوال يوم الإثنين، إرجاع المسطرة المتعلقة بنائب عمدة فاس الخامس، مراد البوزيدي، وموظف جماعي كان يشغل منصب مدير المحجز البلدي، إلى عناصر الدرك الملكي، قصد تعميق البحث واستكمال التحقيقات في شبهة ثقيلة تتعلق بالتلاعب وتزوير وثائق دراجات نارية محجوزة.

دراجات “محجوزة” تتحول إلى وسيلة نقل يومية

التحقيقات الأولية، التي أنجزها المركز القضائي للدرك الملكي، كشفت عن معطيات مقلقة: دراجات نارية كانت مودعة بالمحجز البلدي ومُدرجة ضمن لائحة المتلاشيات المعدة للبيع، جرى التلاعب بوثائقها، قبل أن تعود إلى الشارع وتستعمل بشكل عادي من طرف خواص، في خرق واضح للقانون وضرب سافر لمبدأ حماية الملك العمومي.

وحسب معطيات متطابقة، فإن هذه الممارسات لم تكن لتتم لولا وجود ثغرات خطيرة في تدبير المحجز، وغياب المراقبة الصارمة، وارتباك واضح في مساطر التتبع والتوثيق، ما يفتح الباب أمام فرضية وجود شبكة تلاعب استغلت موقعها داخل مرفق عمومي حساس.

بداية الخيط من عين الشقف

القضية تفجرت حين أوقفت عناصر الدرك الملكي بجماعة عين الشقف خمس درجات نارية ، ليتبين بعد الفحص أن وثائقهما غير سليمة، وهو ما قاد إلى تتبع مسارهما، وكشف ارتباطهما بالمحجز البلدي لفاس، لتبدأ بعدها التحقيقات التي انتهت بتقديم نائب العمدة وموظف جماعي أمام النيابة العامة المختصة.

ورغم تقديم المعنيين بالأمر في حالة سراح ومعهم مراسل صحفي إستفاد من الدراجة، فإن قرار النيابة العامة بإرجاع الملف لتعميق البحث يُفهم منه أن ما كُشف إلى الآن لا يمثل سوى جزء من الصورة، وأن خيوطاً أخرى لا تزال قيد التفكيك.

تاريخ أسود يعود… دون محاسبة سياسية

اللافت في هذا الملف أنه ليس الأول من نوعه داخل المحجز البلدي لفاس. فالمرفق نفسه سبق أن أسقط أسماء وازنة، أبرزها نائب العمدة والبرلماني الاتحادي السابق عبد القادر البوصيري، الذي أُدين بثماني سنوات سجناً نافذاً، بعد ثبوت تورطه في تزوير وثائق سيارات ودراجات نارية وتحويلها من متلاشيات إلى مركبات صالحة للسير.

ورغم هذا الإرث الثقيل، لم تُستخلص الدروس، ولم يُفتح نقاش عمومي حقيقي حول إصلاح هذا المرفق، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية مجلس جماعة فاس، ورئيسه على وجه الخصوص، في القطع مع ممارسات الماضي.

أين العمدة؟ وأين المراقبة؟

سياسياً، لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن المسؤولية المباشرة لعمدة فاس عبدالسلام البقالي، بصفته الآمر بالصرف ورئيس الجهاز التنفيذي للجماعة. فحين تتكرر الفضائح داخل المرفق نفسه، وتُتهم أطر ومسؤولون جماعيون بالتزوير والتلاعب، فإن الحديث عن “حالات فردية” يصبح غير ذي معنى.

السكوت، أو الاكتفاء بتدبير الأزمة من منطق تقني ضيق، لا يعفي العمدة من المحاسبة السياسية والأخلاقية، ولا يبرر استمرار العبث بمرافق يفترض أنها وُجدت لخدمة الصالح العام لا لتحويلها إلى بوابة للاغتناء غير المشروع.

القضاء يقول كلمته… لكن الرأي العام ينتظر

في انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث المعمقة التي تباشرها مصالح الدرك الملكي، تبقى هذه القضية اختباراً حقيقياً لشعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس فقط في شقه القضائي، بل أيضاً في بعده السياسي.

فاس، المدينة التي تُسوَّق كعاصمة روحية وثقافية، تجد نفسها مرة أخرى في قلب فضيحة تدبيرية ثقيلة، عنوانها الأبرز: محجز بلدي خارج السيطرة… ومجلس جماعي يكتفي بالمشاهدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى