قضايا

تحقيق: “تسونامي” الفساد يضرب صفقات وزارة الصحة.. كيف تحول مستشفى أكادير إلى “مزرعة” لشركات المناولة الحزبية؟

مع إشراقة عام 2026، انفجرت في وجه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية فضيحة من العيار الثقيل، تتجاوز في تداعياتها مجرد “أخطاء تدبيرية” لتصل إلى شبهات فساد مالي واستغلال نفوذ سياسي مفضوح. الفضيحة التي تفجرت من قلب المركز الاستشفائي باكادير، تضع الوزير “التهراوي” ومصالح وزارته في قفص الاتهام بفتح الباب أمام “الحيتان الحزبية” للسطو على صفقات الملايين خارج الضوابط القانونية.

صفقات “التنظيف” تتحول بقدرة قادر إلى “تمريض”!

تظهر الوثائق المسربة فضيحة هندسية في دفتر التحملات؛ حيث كشفت النتائج النهائية عن فوز شركة “محظوظة” (تتحفظ الجريدة عن ذكر اسمها كاملاً حالياً) بصفقة “خارجية المهام” المتعلقة بالدعم التمريضي (Lot 1) بمبالغ خيالية تتجاوز 24 مليون درهم.

المثير للصدمة، وما يستوجب تحركاً عاجلاً للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، هو أن هذه الشركة كانت تنشط حصرياً في قطاع “النظافة”، لتتحول في ظرف وجيز، وبدون أي مرجعية تقنية أو تجربة سابقة في “تدبير مهن التمريض”، إلى كيان يستحوذ على صفقات الرعاية الطبية، وهو ما يعد مقامرة صريحة بأرواح المغاربة في مؤسسة استشفائية مرجعية.

“الأحرار” وتحويل الوزارة إلى مزرعة خاصة

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن رائحة “المحسوبية الحزبية” تزكم الأنوف؛ حيث يتم الحديث عن برلمانيين وسياسيين نافذين ينتمون لحزب التجمع الوطني للأحرار، استغلوا قربهم من مراكز القرار للضغط على المسؤولين الجهويين.

“التهديد بالهاتف”: تفيد التقارير بأن بعض المدراء الجهويين للصحة تلقوا اتصالات مباشرة بأسماء سياسين، يهددون فيها بالوزير الوصي، لإجبارهم على قبول ملفات شركات “عائلية” تفتقر لأدنى الشروط القانونية المنصوص عليها في قانون الصفقات العمومية.

الأدهى من ذلك، هو ما رصد بخصوص قيام مسؤول سياسي معروف بتأسيس “ترسانة” من الشركات بأسماء أفراد عائلته (الزوجة والأم)، مهمتها الوحيدة هي “السطو” على صفقات الحراسة، النظافة، والتمريض عبر جهات المملكة، مستغلين نفوذهم الحزبي لتعطيل آليات المراقبة والمنافسة الشريفة.

صفقات ملغومة ودفاتر تحملات “على المقاس”

لقد بات واضحاً أن الاستراتيجية المتبعة حالياً هي تفصيل دفاتر التحملات (CPS) لخدمة أجندات معينة. فبينما كانت مديريات جهوية سابقة تحاول ممارسة رقابتها بإلغاء صفقات مشبوهة، جاء “العهد الجديد” في الوزارة ليشرعن الفوضى، ويحول قطاع المناولة إلى “ريع سياسي” بامتياز.

صرخة لفتح تحقيق قضائي مستعجل

إن الوقائع المعروضة أمام الرأي العام، والموثقة بمحاضر لجان فتح الأظرفة التي تمت في تواريخ مختلفة تضع وزير الصحة أمام خيارين لا ثالث لهما:

  1. التدخل الفوري: وإلغاء هذه الصفقات المشبوهة وإحالة المتورطين (سياسيين وإداريين) على القضاء.

  2. التواطؤ بالصمت: وهو ما سيجعل الوزارة شريكاً في إشعال فتيل الاحتقان داخل القطاع، خاصة من طرف الشركات المنافسة ذات السمعة الطيبة التي تم إقصاؤها بـ”ضربات تحت الحزام”.

إن تحويل المرافق الصحية التي كلفت ميزانية الدولة الملايير إلى “غنائم حزبية” هو طعنة في ظهر الورش الملكي للحماية الاجتماعية، وإذا لم تتحرك الجهات الرقابية الآن، فإن “حيتان الصفقات” سيبتلعون ما تبقى من كرامة المريض المغربي.

صمت حكومي مريب وتجاهل للرقابة البرلمانية

وفي سياق متصل، لم يكن هذا الانفجار وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات سبق وأن حذر منها برلمانيون من صفوف المعارضة، الذين فجروا “قنبلة” صفقات المناولة المشبوهة داخل قبة البرلمان خلال جلسات علنية منقولة مباشرة. ورغم الوثائق الدامغة التي كشفت عن خروقات في دفاتر التحملات ومنح صفقات لشركات “عائلية” تفتقر للأهلية، إلا أن التحرك الحكومي والوزاري ظل محتجزاً في “خانة الصمت” المريب. وبدلاً من إحالة هذه الملفات على القضاء لترتيب الجزاءات، اكتفت الوزارة بمناورات “امتصاص الغضب” عبر إلغاء تقني لبعض الصفقات الصارخة، دون محاسبة المفسدين أو وضع حد لتوغل النفوذ الحزبي في صفقات قطاع يمس مباشرة الحق في الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى