قضايا

أمطار تكشف المستور… ولاة الجهات يطلقون افتحاصاً واسعاً في صفقات البنية التحتية ويُلوّحون بالمحاسبة

أعادت التساقطات المطرية الأخيرة فتح ملف جودة إنجاز عدد من مشاريع البنية التحتية بالمغرب، بعدما كشفت الأضرار المسجلة في طرق وبنايات وتجهيزات عمومية، بعضها حديث العهد بالإنجاز، عن اختلالات محتملة في احترام المعايير التقنية وجودة مواد البناء المستعملة.

وفي هذا السياق، استنفر ولاة الجهات عمال العمالات والأقاليم التابعة لنفوذهم الترابي، من أجل تسريع عمل اللجان المحلية المكلفة بتدبير مخاطر الأمطار، والدفع نحو إعداد تقارير حالة دقيقة بشأن وضعية الأوراش الجارية والمنتهية، بعد إخضاعها لمراقبة تقنية صارمة.

وحسب مصادر مطلعة، فإن هذا التحرك جاء بناء على معطيات أولية أفادت بتضرر منشآت يفترض أنها صمدت لسنوات، ما أثار شبهات قوية حول هشاشة الأشغال المنجزة، واستعمال مواد لا تستجيب لدفاتر التحملات، خاصة في ما بات يُعرف بصفقات “الحديد الرقيق” التي تثير الكثير من علامات الاستفهام.

ووفق المعطيات نفسها، شملت توجيهات ولاة جهات الدار البيضاء–سطات، ومراكش–آسفي، وبني ملال–خنيفرة، وفاس–مكناس، وطنجة–تطوان–الحسيمة، والشرق، توسيع نطاق الافتحاص ليشمل أوراشاً انهارت أو تضررت بفعل أمطار وُصفت في بعض المناطق بالعادية، في أفق رفع تقارير مفصلة إلى المصالح المركزية لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات المحتملة.

وأفادت المصادر بأن “لجان تدبير الأزمة” على مستوى العمالات استعانت بتقارير ميدانية أنجزها رجال السلطة والأعوان المحليون، من مقدمين وشيوخ، قصد توجيه عمليات التفقد نحو النقاط السوداء، سواء تعلق الأمر بالطرق أو شبكات الصرف أو التجهيزات العمومية حديثة البناء.

وفي تطور لافت، يرتقب أن تحل لجان مركزية تابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية بعدد من الجماعات والمقاطعات خلال الأسابيع المقبلة، اعتماداً على خلاصات تقارير الحالة المرفوعة، حيث ستركز عمليات التفتيش على محاضر تتبع الأشغال، والتسلم المؤقت والنهائي للمشاريع، وكذا مساطر إبرام الصفقات العمومية وسندات الطلب.

وكشفت مصادر الجريدة أن مهام الافتحاص ستمتد لتشمل صفقات أُبرمت خلال السنتين الماضيتين، وأخرى حديثة، مع الاستناد إلى شكايات وإخباريات تتحدث عن علاقات مشبوهة بين رؤساء جماعات وأرباب مقاولات، يُشتبه في استفادتهم من صفقات “مفصلة على المقاس” مقابل عمولات وامتيازات.

كما أشارت المعطيات ذاتها إلى تسجيل حالات ضغط مارسها منتخبون على مقاولين، لدفعهم إلى تقديم عروض مشتركة مع شركات مملوكة لأقارب أو معارف، بهدف الالتفاف على المنافسة الشريفة وضمان الفوز بالصفقات.

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة تسريبات سابقة من تقارير تفتيش همّت عشرات الجماعات الترابية، وأسفرت في بعض الحالات عن عزل رؤساء مجالس ونوابهم بأحكام صادرة عن القضاء الإداري، بعد توثيق اختلالات خطيرة في صفقات البنية التحتية.

ومن بين أبرز هذه الاختلالات، منح “التسلم المؤقت” لمشاريع تعاني عيوباً واضحة، قبل توجيه مراسلات لاحقة للمقاولين خارج الآجال القانونية للضمان، ما أسقط حق الجماعات في المطالبة بإصلاح النواقص، وورّط مسؤولين جماعيين في تدبير وُصف بغير السليم.

ووفق المصادر نفسها، لم تسلم ملفات “التسلم النهائي” بدورها من الملاحظات، حيث سجلت المفتشية العامة اختلالات في مشاريع طرق وقناطر وأحواض تصريف المياه العادمة، أنجزت في إطار صفقات عمومية مع جماعات ترابية بمختلف جهات المملكة.

كما كشفت تظلمات واردة من متضررين عن عدم تمكن عدد من المتعاملين مع الجماعات من تحصيل مستحقاتهم المالية، رغم تنفيذهم التزامات تعاقدية، سواء في إطار طلبات عروض محددة البنود أو صفقات تفاوضية مباشرة.

وبينما تتواصل عمليات الافتحاص والتتبع، يترقب الرأي العام ما ستسفر عنه هذه التحقيقات من تحديد للمسؤوليات وترتيب للجزاءات، في ظل مطالب متزايدة بربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام من عبث صفقات لم تصمد أمام أول اختبار طبيعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى