2026… انتخابات في زمن الباهت السياسي لأحزاب متعبة وإختفاء الأسئلة الكبرى

على بعد عام واحد فقط من انتخابات 2026، تبدو الساحة السياسية المغربية أشبه بصحراء ممتدة بلا علامات طريق، حيث لا استقطاب، لا رهانات واضحة، ولا خطاب سياسي قادر على تحريك المياه الراكدة. انتخابات بلا حرارة، بلا معنى، وأحزاب تائهة بين الحسابات الداخلية والتدبير البارد، في وقت يزداد فيه تآكل الثقة بين المواطن والصندوق.
فما الذي يمكن انتظاره من استحقاق يبدو ـ حتى قبل بدايته ـ محكوماً بقدر من الرتابة المسبقة؟ وهل نحن أمام انتخابات تعيد إنتاج المشهد كما هو، أم أن مفاجآت اللحظة قد تفرض تغييرات غير محسوبة؟
حين استيقظ الشارع المغربي سنة 2011 على وقع الحراك الشعبي، كانت السياسة آنذاك تحتدم بين مشروع إصلاحي تقوده قوى ذات امتداد اجتماعي وشعبي، وآخر سلطوي يعمل على ضبط الانتقال. في 2016، عاد الصراع بين “الإسلاميين” و”الحداثيين” بشكل صريح، مما أضفى على الانتخابات طابعاً حاداً عبّأ جزءاً واسعاً من المواطنين.
أما انتخابات 2021، فكانت نقطة مفصلية: نهاية تجربة سياسية دامت عشر سنوات، وسقوط مدوٍّ لحزب العدالة والتنمية، وصعود قوى جديدة على إيقاع حملات انتخابية غير مسبوقة في الضخ المالي والإعلامي. لكن هذه المرحلة، رغم كل حركيتها، لم تنجح في بناء أفق سياسي جديد، بل قادت إلى حالة إدارة تقنية للسلطة بلا مشروع سياسي جامع.
اليوم، نجد أنفسنا في لحظة سياسية مشوشة: أحزاب الأغلبية فقدت بريقها سريعاً، بفعل فشلها في مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وغموض تعاقدها السياسي، فيما المعارضة تبدو غير قادرة على التقاط اللحظة أو تقديم بدائل تقنع المواطن المتعب.
فحزب الاستقلال، رغم محاولاته إعادة التموقع، لا يزال يتحسس طريقه خارج منطق الشراكة الحكومية. والعدالة والتنمية، الجريح من هزيمة 2021، يعيش طور الترميم الداخلي، في ظل غياب قدرة واضحة على تجاوز صدمة السقوط. أما باقي مكونات المعارضة، فهي إما مستأنسة أو مقلّصة التأثير.
بعكس انتخابات 2021 التي استفادت من تزامنها مع الانتخابات المحلية، والتي ترفع عادة من منسوب المشاركة لارتباطها المباشر بحاجيات الناس، فإن انتخابات 2026 ستكون معزولة في بعدها البرلماني فقط، مما سيضعف من زخمها الشعبي والسياسي.
ومن دون ربط الانتخابات بسياقات سياسية أو اجتماعية تعبّئ المواطنين، فإنها مرشحة لأن تتحول إلى عملية تقنية لتوزيع المقاعد، لا محطة ديمقراطية لصياغة البدائل.
في العمق، لا يتعلق التحدي بالنتائج ولا بالأسماء التي ستقود الحكومة، بل بالسؤال المؤجل منذ سنوات: ما الغاية من الانتخابات إذا كانت لا تنتج سياسة، ولا تبني مشروعية، ولا تعبّر عن إرادة؟
إن اختزال العملية السياسية في الإنجاز الإداري أو التدبير المالي، وإفراغ الانتخابات من بعدها التمثيلي والتغييري، لن يؤدي سوى إلى تعميق الهوة بين المواطن والمؤسسات، وترسيخ شعور بغياب البدائل، بل وغياب المعنى نفسه.
وسط هذا الواقع الرمادي، يظل الأمل قائماً في إمكانية بعث دينامية سياسية جديدة، شريطة أن تُبادر القوى الجادة إلى طرح الأسئلة الجوهرية: من يمثّل من؟ وعلى أي أساس؟ وما هي البرامج التي ستُحاكَم أمام الناس؟
بدون وضوح في التعاقد، واستعادة للثقة، وتحفيز للمواطن على الانخراط، فإن انتخابات 2026 ستكون مجرد تمرين إداري لإعادة تدوير نفس الوجوه في مشهد يفقد رمزيته وقدرته على التعبئة.






