مأساة تلاميذ يقطعون الوديان تضع وعود الحكومة على المحك وتكشف اختلالات التدبير الترابي بفاس–مكناس

أعادت معاناة تلاميذ دوار عيشون بإقليم صفرو، الذين يضطرون سنوياً لعبور الوديان على جدع شجرة و السير في الأوحال للوصول إلى فصولهم الدراسية، إحياء النقاش حول واقع التنمية الترابية في جهة فاس–مكناس، واضعةً النموذج المغربي للجهوية المتقدمة تحت مجهر المساءلة. فالمشهد الصادم الذي وثّقه المواطنون لم يكن حادثاً عابراً، بل مؤشراً دالاً على حجم الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
خطاب رسمي متفائل يقابله واقع بلا حماية
رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، دأب خلال تدخلاته العمومية على التأكيد أن المغرب يعيش طفرة تنموية تشمل العالم القروي والمناطق الجبلية، معتبراً أن الجهوية المتقدمة أصبحت رافعة أساسية للعدالة المجالية. غير أن الحالة المأساوية في دوار عيشون تكشف أن هذا الخطاب لا يجد امتداده على مستوى الممارسة، إذ لا تزال فئات واسعة من المواطنين محرومة من أبسط شروط الأمان للوصول إلى المدرسة.
هذا التناقض بين الخطاب والممارسة يطرح سؤالاً مركزياً: أين تتوقف مسؤولية الحكومة وتبدأ مسؤولية الجهات والجماعات؟
والجواب أن الخلل لم يعد تقنياً أو إجرائياً، بل منظومياً، يمسّ تنسيق السياسات الترابية، وتحديد الأولويات، وتفعيل برامج القرب.
فجوة الإنجاز بين الورق والميدان
غياب منشأة بسيطة كقنطرة مدرسية، رغم مخاطر الوادي المتكررة، يكشف خللاً مزدوجاً:
-
على المستوى المركزي: البرامج الحكومية التي تروج لإنجازات البنيات التحتية لا تنعكس بالشكل المطلوب على المناطق الهشة.
-
على المستوى الترابي: المجالس المنتخبة، سواء الجماعة أو الإقليم أو الجهة، لم تفلح في رصد الخطر أو إدراج مشروع قنطرة ضمن أولوياتها، رغم توالي السنوات والمواسم المطيرة.
هذه الفجوة تُظهر أن الجهوية المتقدمة، بصفتها ورشاً إستراتيجياً، تعاني من تعثر واضح في التنزيل، خاصة في ما يتعلق بآليات الحكامة الترابية وتوزيع الأدوار بين المتدخلين.
رسالة مباشرة إلى صناع القرار
إن مأساة عيشون لا تختزل في عبور واد فقط، بل ترسل إشارة قوية إلى صناع القرار مفادها أن البرامج الحكومية، مهما كانت طموحة، تفقد قيمتها حين لا تتم مواكبتها بتدبير ترابي فعّال وقريب من المواطنين. فسلامة طفل واحد هي معيار المصداقية الحقيقية لأي سياسة عمومية، قبل عدّ المشاريع وعرض التقارير.
إن ما حدث في صفرو يظهر أن الخلل ليس في الموارد، بل في ترتيب الأولويات، وفي الإرادة السياسية لتجسيد فلسفة القرب، وفي قدرة المؤسسات الترابية على التفاعل مع حاجيات المواطنين قبل أن تتحول إلى أزمات.
مأساة دوار عيشون أعادت النقاش إلى نقطة البداية: أي جهوية نريد؟ وأي دور للمجالس الترابية في حماية المواطنين وتلبية حاجياتهم الأساسية؟
وبينما يستمر الخطاب الرسمي في الاحتفاء بما تُسميه رئاسة الحكومة «مسار الإنجازات»، تبقى صور الأطفال وهم يعبرون الوادي حاملةً رسالة أقوى من أي بيان أو تقرير:
التنمية ليست شعارات أو حلاوة الميكروفون و تصفيقات الجمهور، بل مسؤولية تُقاس بمدى حماية الإنسان قبل الحجر.






