في ندوة مثيرة للجدل.. لجنة منكوبي فيضانات تاونات تكشف تفاصيل الكارثة وتطالب بإنصاف إقليم تاونات وتعويض الضحايا

لا تزال تداعيات الفيضانات العنيفة التي شهدها إقليم تاونات خلال شهري يناير وفبراير 2026 تلقي بظلالها الثقيلة على الساكنة المحلية، بعدما خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة وألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والمساكن والقطاع الفلاحي. وفي ظل هذا الوضع، دقت فعاليات مدنية ناقوس الخطر مطالبة الدولة باتخاذ إجراءات عاجلة لإنصاف المتضررين وإعلان الإقليم منطقة منكوبة.
وفي هذا السياق، كشفت لجنة دعم منكوبي الفيضانات خلال ندوة صحفية انعقدت أمس الخميس 12 مارس 2026 عن معطيات مقلقة حول حجم الأضرار التي خلفتها هذه الكارثة الطبيعية، حيث تم إحصاء أزيد من 300 أسرة نازحة وما يقارب 2000 متضرر مباشر، إضافة إلى تضرر نحو 450 منزلاً بشكل كلي أو جزئي، فضلاً عن الأضرار الكبيرة التي طالت البنيات التحتية والطرق والمسالك القروية.
مذكرة ترافعية على طاولة المؤسسات الدستورية
وأكدت اللجنة أنها أعدت مذكرة ترافعية مفصلة وضعتها أمام عدد من المؤسسات الدستورية والهيئات الوطنية، من بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان و**مؤسسة الوسيط** و**المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي**، إلى جانب رئاسة الحكومة ورئاسة غرفتي البرلمان والأحزاب السياسية.
وتهدف هذه الخطوة، بحسب اللجنة، إلى لفت الانتباه إلى حجم المأساة الإنسانية والتنموية التي يعيشها الإقليم، والدفع نحو تفعيل الآليات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بإنصاف المتضررين وإطلاق برامج إعادة الإعمار والتنمية.
أرقام صادمة عن حجم الخسائر
وأبرزت المعطيات التي قدمتها اللجنة أن الكارثة لم تقتصر على تضرر المساكن فقط، بل طالت مختلف مناحي الحياة في الإقليم، إذ تم تسجيل:
-
تضرر أكثر من 150 دواراً بفعل السيول والانجرافات.
-
تضرر 120 مقطعاً طرقياً نتيجة الانهيارات الأرضية والفيضانات.
-
انهيار أو تضرر مئات المنازل بشكل كلي أو جزئي.
-
نفوق أكثر من 2000 رأس من الماشية.
-
تدمير قنوات الري والسواقي التقليدية والمسالك الفلاحية.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الفيضانات لم تكن مجرد اضطراب جوي عابر، بل كارثة طبيعية واسعة التأثير مست اقتصاد الإقليم وبنيته الاجتماعية بشكل مباشر.
الفلاحة في قلب الأزمة
ويعتمد سكان إقليم تاونات بشكل كبير على الفلاحة المعيشية وتربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل والغذاء، وهو ما جعل وقع الكارثة أكثر قسوة على الأسر القروية التي فقدت محاصيلها ومواشيها ووسائل عيشها.
كما تسببت الفيضانات في تدمير مساحات زراعية واسعة وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الفلاحية، خصوصاً قنوات الري التقليدية والمسالك المؤدية إلى الحقول، ما يهدد الموسم الفلاحي ويزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان.
انتقادات لتصريحات وزير التجهيز والماء
وفي سياق متصل، أثارت تصريحات نزار بركة، وزير التجهيز والماء، موجة من الانتقادات من قبل أعضاء اللجنة، الذين اعتبروا أن حديثه عن الكارثة اختزل المأساة في أرقام تقنية جامدة، دون استحضار البعد الإنساني والاجتماعي للأزمة.
واعتبر متدخلون أن ما وقع في تاونات يتجاوز مجرد حدث مناخي، ليشكل نموذجاً صارخاً للهشاشة التنموية واللاعدالة المجالية التي تعاني منها بعض المناطق القروية بالمغرب.
إقليم يعاني الهشاشة رغم ثرواته المائية
وخلال الندوة، أشار عضو اللجنة عادل راشدي إلى أن إقليم تاونات يمثل حالة دالة على اختلالات التنمية بالمغرب، حيث يعاني من نسب مرتفعة من الفقر والهشاشة رغم توفره على موارد طبيعية مهمة.
وأوضح أن الإقليم محاط بما لا يقل عن سبعة سدود مائية، ورغم ذلك يواجه سكانه أزمة عطش بنيوية ونقصاً في الخدمات الأساسية، مضيفاً أن الإقليم يسجل واحدة من أضعف نسب التأطير الطبي، إذ لا يتجاوز المعدل 1.3 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة، وهو رقم يقل بكثير عن المعدلات الوطنية والدولية.
مطالب بإعلان المنطقة منكوبة
من جهته، شدد عضو اللجنة محمد السباعي على ضرورة إعلان إقليم تاونات منطقة منكوبة، وتفعيل صندوق الكوارث الطبيعية لتعويض الأسر المتضررة وإطلاق برنامج شامل لإعادة الإعمار.
وأوضح أن هذا المطلب يستند إلى أسس قانونية واضحة، من بينها القانون المغربي المتعلق بنظام تغطية عواقب الوقائع الكارثية، فضلاً عن التزامات المغرب الدولية في إطار إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث.
كما اعتبر أن تجاهل حجم الكارثة يطرح إشكالية حقيقية مرتبطة بمبدأ العدالة المجالية الذي ينص عليه الدستور المغربي، والذي يضمن المساواة بين المواطنين في تحمل الأعباء العامة والاستفادة من السياسات العمومية.
تاونات… نموذج للمغرب بسرعتين
ويرى متابعون أن ما وقع في تاونات يعكس صورة لما يسميه البعض “المغرب بسرعتين”، حيث تستفيد بعض المناطق من استثمارات وبنيات تحتية متقدمة، في حين تعاني مناطق أخرى من هشاشة تنموية تجعلها أكثر عرضة لتداعيات الكوارث الطبيعية.
وفي ظل هذه المعطيات، يطالب الفاعلون المدنيون بإطلاق مخطط تنموي استعجالي يهدف إلى إعادة بناء البنيات التحتية المتضررة، ودعم القطاع الفلاحي، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية في الإقليم.
بين الكارثة الطبيعية والتحدي التنموي
في نهاية المطاف، تبدو فيضانات تاونات أكثر من مجرد حادث طبيعي عابر؛ فهي اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على تحقيق العدالة المجالية والإنصاف الاجتماعي.
وبين مطالب الساكنة المتضررة وترافع الفاعلين المدنيين، يبقى الرهان اليوم هو تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة التفكير في النموذج التنموي بالمناطق القروية، بما يضمن حماية المواطنين وتعزيز صمودهم أمام الكوارث الطبيعية التي باتت أكثر تكراراً في ظل التغيرات المناخية.






