قضايا

فضائح الصفقات الجماعية في جهات المغرب… تحقيقات مجالس الحسابات تصل إلى فاس–مكناس وتثير علامات استفهام حول تدبير المال العام

تسارعت قضاة المجالس الجهوية للحسابات في عدة جهات بالمملكة، من بينها جهة فاس مكناس، في مهام تدقيق واسعة النطاق حول ملفات صفقات جماعية أثارت شكوكا وتدعو إلى إعادة النظر في تدبير المال العام على مستوى بعض الجماعات المحلية. وتركزت التحقيقات بشكل خاص على ما بات يعرف بـ«تجزيء» طلبيات الجماعات إلى سندات الطلب، في محاولة مفترضة لتفادي إجراءات المنافسة القانونية التي تفرضها القوانين المنظمة للصفقات العمومية.

ما الذي يجري؟ تحقيقات في صفقات تتجاوز 90 مليون درهم

فوفق مصادر مطلعة، يعمل قضاة المجالس الجهوية للحسابات بكل من جهات الدار البيضاء–سطات ومراكش–آسفي والرباط–سلا–القنيطرة وفاس–مكناس على تدقيق ملفات صفقات أبرمت خلال السنوات الأربع الماضية، تجاوزت قيمتها الإجمالية 90 مليون درهم (ما يناهز 9 مليارات سنتيم)، جرت في كثير من الحالات مرارا عبر ما يسمى سندات الطلب دون المرور عبر مساطر طلبات العروض المفتوحة والمنافسة الشفافة.

وأفادت المصادر نفسها أن مواد الافتحاص ركزت على مدى احترام الجماعات الترابية للنصوص القانونية المنظمة للصفقات العمومية، خصوصاً تلك المتعلقة بتجزئة طلبيات تفادياً لتجاوز السقف القانوني الذي يمكن عبره تمرير الصفقات بسندات الطلب، ما أثار الشبهات حول وجود تحايل ممنهج على الإجراءات القانونية المعمول بها.

لماذا يثير “تجزئة السندات” الشكوك؟

يأتي استعمال سندات الطلب في الأصل كآلية استثنائية لتسهيل إجراءات الشراء في الحالات الطارئة أو العاجلة، لكن ما رصدته فرق الفتحص والتدقيق هو أن بعض المسؤولين الجماعيين لجأوا إلى تجزئة طلبيات بأكثر من سند طلب لتفادي تجاوز السقف القانوني السنوي، وهو ما يمكّنهم من تمرير صفقات بقيمة أكبر دون إخضاعها لمنافسة شفافة.

وقد أثار هذا النهج انتباه قضاة الحسابات الذين لاحظوا أن بعض الصفقات المعنية، والتي استفادت منها شركات بعينها في الغالب, لا تتوافق مع روح القانون ولا مع المعايير التي تضمن النزاهة والشفافية في استعمال المال العام.

تعديل السقف القانوني… باب مفتوح للتحايل؟

وكان تعديل مرسوم الصفقات العمومية قد رفع السقف المسموح بتمريره عبر سندات الطلب من 200 ألف درهم سنوياً (20 مليون سنتيم) إلى 500 ألف درهم سنوياً (50 مليون سنتيم). وقد اعتبر مراقبون أن هذا الرفع، على الرغم من كونه يهدف إلى تسهيل الإجراءات الإدارية، فقد شجّع في بعض الأحيان بعض المسؤولين المحليين على اللجوء الآلي إلى هذه المسطرة، مما أسهم في تمرير صفقات وتوريدات لفائدة شركات مرتبطة بأطراف محلية معينة، مع تجاوز مساطر المنافسة العادلة.

استعمال المنصات الرقمية… تسريع للتحقيقات

استناداً إلى المصادر نفسها، لجأ قضاة المجالس الجهوية للحسابات إلى المنصة الرقمية التي أطلقتها وزارة الداخلية بهدف تتبع آجال الأداء والصفقات التي تبرمها الجماعات المحلية، كما اطلعوا على المعطيات المتاحة لدى الخزينة العامة للمملكة والمديرية العامة للضرائب، وهو ما مكّنهم من توثيق المعاملات المالية للصفقات محل الشبهات بدقة، والوقوف على مدى التزام الجماعات بالإجراءات القانونية.

صفقات مشكوك في نزاهتها… من تجهيزات المكتبية إلى الأحداث الثقافية

أظهرت التحريات الجارية أن أغلب الصفقات التي تم تمريرها عبر سندات الطلب لم تتعلق فقط بحاجيات ملحة أو خدمات طارئة، بل شملت:

  • تنظيم تظاهرات ثقافية وعلمية ورياضية.

  • خدمات استشارات تقنية.

  • توريد تجهيزات مكتبية.

  • مواد التنظيف ومكافحة الحشرات.

  • خدمات الحراسة والنظافة.

وقد رُصدت حالات يظهر فيها تقسيم طلبيات بقيمة إجمالية كبيرة إلى عدة سندات طلب صغيرة، حتى لا تتجاوز السقف السنوي، وهو ما اعتبرته فرق التحقيق “خرقاً صريحاً لمقتضيات المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية”، والذي يشترط خضوع الأعمال المنجزة عبر سندات الطلب للمنافسة المسبقة وتحديد مواصفات واضحة للأشغال أو المواد أو الخدمات.

تحريات حول العلاقات بين المقاولين والمنتخبين

وأفادت المصادر أن القضاة ركزوا تحرياتهم أيضاً على العلاقات المفترضة بين أصحاب الشركات المستفيدة والمنتخبين أو المسؤولين الجماعيين، في محاولة لكشف ما إذا كانت الصفقات جرى تمريرها بناءً على محاباة أو انحياز شخصي أو مصالح متبادلة، بدلاً من أن تكون مبنية على معايير الكفاءة والتنافسية.

رقابة مشددة في فاس–مكناس وغيرها من الجهات

في جهة فاس–مكناس، كما في الجهات الأخرى المعنية، يُنظر إلى هذه التحقيقات على أنها رد فعل رقابي مهم يهدف إلى إعادة تأسيس قواعد الحكامة الرشيدة والترسيخ الفعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمجلس الأعلى للحسابات لا يكتفي بالرقابة التقليدية على الحسابات الختامية فقط، بل بات يعمد إلى تتبع المنصات الرقمية وتتبع كل عمليات الصفقات، ما يضع منظومة الصفقات العمومية أمام اختبار جدي للشفافية والنزاهة.

وجهات نظر وتحذيرات

يرى خبراء في الشأن المالي والإداري أن ظاهرة استعمال سندات الطلب بشكل مفرط في الصفقات الجماعية ليست مجرد مخالفة قانونية، بل تعبير عن ثغرات تنظيمية ورقابية في تدبير الشأن المحلي، تستوجب إصلاحات مؤسساتية قوية تشمل:

  • تعزيز آليات المراقبة الداخلية لدى الجماعات الترابية.

  • تحديد سقوف أكثر تقييداً لسندات الطلب.

  • زيادة قدرات التفتيش والمحاسبة على الصفقات العمومية.

  • تشديد العقوبات على المخالفات لضمان رادع فعال.

كما يحذر المختصون من أن استمرار هذه الممارسات من شأنه أن يضعف الثقة في الإدارة المحلية، ويحد من جاذبية الاستثمارات، ويعرقل التنمية المحلية، خصوصاً في أقاليم وجماعات دون أخرى.

التحقيقات الجارية في الصفقات الجماعية التي تفوق قيمتها 90 مليون درهم، والتي تمتد من الدار البيضاء إلى فاس–مكناس، تمثل دعوة إلى إعادة تقييم منظومة الصفقات العمومية في المغرب، والعمل على ضمان النزاهة والشفافية والمنافسة الحقيقية في جميع مراحل التدبير العمومي.

وسط هذه التحريات، يظل السؤال الأكبر قائمًا: هل ستتمكن الجماعات المحلية من تجاوز التجاوزات الموثّقة وترسيخ ثقافة احترام القانون، أم أن هذه التجاوزات ستظل سمة تؤثر على جودة الخدمات وفاعلية التنمية في عدد من الأقاليم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى