فاس تكتب صفحة جديدة من تاريخها التنموي.. الوالي أيت طالب وشركة فاس الجهة للتهيئة تواصل تنزيل الأوراش الكبرى وفق أجندة واقعية ورؤية ملكية استعدادا لمغرب 2030

لم تعد التحولات التي تشهدها مدينة فاس مجرد وعود انتخابية أو تصورات حبيسة الوثائق الإدارية، بل أصبحت واقعا يلمسه المواطن في عدد متزايد من الأحياء والمحاور الطرقية والفضاءات العمومية. فمن يزور العاصمة العلمية اليوم يلاحظ أن المدينة دخلت مرحلة جديدة عنوانها تنزيل المشاريع المهيكلة بوتيرة متصاعدة، في إطار رؤية تنموية تنسجم مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الرامية إلى تأهيل المدن المغربية ورفع تنافسيتها استعدادا للاستحقاقات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
وتأتي هذه الدينامية في سياق وطني أوسع، حيث بلغت قيمة الاستثمارات التي تمت المصادقة عليها على مستوى جهة فاس-مكناس، إلى غاية متم شهر شتنبر 2025، 16,7 مليار درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 91 في المائة مقارنة مع سنة 2024، ومن المنتظر أن تتيح هذه المشاريع إحداث 16.453 منصب شغل.
شركة فاس للتهيئة.. الذراع التنفيذي لإعادة تشكيل المشهد الحضري
في قلب هذه الدينامية، برزت شركة فاس الجهة للتهيئة (Fès Aménagement) باعتبارها الذراع التنفيذي لإنجاز عدد من المشاريع الكبرى، حيث انتقلت من مرحلة إعداد الدراسات وإطلاق الصفقات إلى مرحلة التنفيذ الميداني. وتشرف الشركة اليوم على أوراش حيوية تعيد تشكيل ملامح المدينة، من خلال برامج متكاملة تشمل الطرق، والفضاءات العمومية، والمرافق الرياضية، والتشجير، وتأهيل الأسواق التاريخية، وتحسين البنية التحتية.
وتتم هذه الأوراش في إطار تنسيق دائم مع ولاية جهة فاس-مكناس، حيث يحرص والي الجهة، السيد خالد آيت طالب، على مواكبة تقدم المشاريع ميدانيا، وعقد اجتماعات دورية مع مختلف المتدخلين لتذليل الإكراهات الإدارية والتقنية، وتسريع وتيرة الإنجاز. وقد أعطت هذه المقاربة نتائج ملموسة، بعدما انتقلت مشاريع ظلت لسنوات حبيسة الانتظار إلى مرحلة الإنجاز الفعلي.
“المارشي سنطرال”.. إعادة إحياء رمز اقتصادي وتراثي
من أبرز هذه المشاريع، يبرز مشروع إعادة تأهيل السوق المركزي التاريخي “مارشي سنطرال”، الذي يعد أحد أهم الأوراش ذات البعد الاقتصادي والتراثي بمدينة فاس. ففي صباح 10 يوليوز 2026، انطلقت أشغال هدم السوق المركزي التاريخي بشارع محمد الخامس وسط مدينة فاس، في خطوة تؤذن ببداية مرحلة جديدة لهذا المعلم التجاري العريق.
هذا المشروع لا يقتصر على ترميم بناية تاريخية، بل يهدف إلى إعادة الحياة إلى أحد الرموز التجارية للعاصمة العلمية، وتحويله إلى فضاء عصري يحافظ على هويته المعمارية، ويوفر ظروفا أفضل للتجار والمرتفقين، ويعزز الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدينة. وقد عبّر عدد من التجار وأصحاب المحلات عن ارتياحهم لانطلاق أشغال الهدم وإعادة البناء، معتبرين أن المشروع يشكل خطوة نوعية في مسار تأهيل المدينة.
الطريق المدارية RP5006.. شريان جديد يخفف الضغط المروري
في موازاة ذلك، تواصل شركة فاس للتهيئة تنفيذ مشاريع تهيئة عدد من المحاور الطرقية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الطريق المدارية RP5006 على مستوى منطقة بنسودة، الذي أعطيت انطلاقته الرسمية بكلفة إجمالية تقديرية تصل إلى 26 مليار سنتيم، موزعة على أربعة أشطر.
ويساهم هذا المشروع الطرقي في تخفيف الضغط عن عدد من الشوارع الرئيسية، وتحسين انسيابية حركة السير، وربط الأحياء الجديدة بمختلف المرافق الحيوية، إلى جانب مشاريع إعادة تأهيل الشوارع الكبرى، والساحات العمومية، وتحديث الأرصفة، وتعزيز الإنارة العمومية، بما ينسجم مع معايير المدن الحديثة.
استعدادات كأس العالم 2030.. رهانات كبرى واستثمارات ضخمة
وتكتسي هذه المشاريع أهمية مضاعفة في سياق استعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030، حيث اختيرت فاس كإحدى المدن الست المضيفة للمونديال، لتستضيف مباريات حتى دور ربع النهائي. وفي هذا الإطار، يخضع الملعب الكبير لفاس لعملية توسعة وتأهيل شاملة لرفع طاقته الاستيعابية إلى 52.000 متفرج، مع توفير مواقف للسيارات تتسع لأكثر من 10.500 مركبة.
كما يشمل مخطط التأهيل توسعة مطار فاس-سايس لرفع طاقته الاستيعابية من 3 إلى 5 ملايين مسافر سنويا بحلول دجنبر 2028، إضافة إلى تطوير شبكة النقل بالسكك الحديدية عبر تجديد القطارات على الخط عالي الجودة الرباط-فاس، وبناء قطار عالي التردد بين فاس ومكناس.
الفضاءات الخضراء والبنية الرياضية.. استثمار في جودة العيش
ولم تغفل شركة فاس الجهة للتهيئة الجانب الاجتماعي وجودة العيش، حيث تم إنجاز وتأهيل عدد من الفضاءات الخضراء وحدائق القرب، التي أصبحت خلال فصل الصيف الوجهة المفضلة لآلاف الأسر الفاسية الباحثة عن متنفس طبيعي. وتحولت هذه الحدائق إلى فضاءات للحياة اليومية، تستقبل الأطفال والشباب وكبار السن، وتمنح المدينة بعدا بيئيا وإنسانيا افتقدته لسنوات.
كما شملت المشاريع إنجاز وتأهيل عدد من القاعات الرياضية وملاعب القرب والفضاءات المخصصة لممارسة الرياضة، في خطوة تعكس الاهتمام بتوفير بنية تحتية رياضية تستجيب لتطلعات الشباب، وتواكب الدينامية الوطنية التي يشهدها المغرب في مجال الاستثمار الرياضي.
رؤية شمولية لمستقبل العاصمة العلمية
وتبرز أهمية هذه المشاريع في كونها لا تنجز بشكل متفرق، وإنما وفق رؤية شمولية تجعل من فاس مدينة أكثر تنافسية، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمار، وتحسين ظروف العيش، وتعزيز مكانتها كعاصمة علمية وثقافية وسياحية. فإعادة تأهيل الفضاءات العمومية، وتحديث البنية التحتية، وتحسين جمالية المدينة، ليست مجرد عمليات تجميلية، بل هي استثمار مباشر في الاقتصاد المحلي، وفي صورة المدينة، وفي مستقبلها.
ورغم أن بعض المشاريع أصبحت موضوع نقاش داخل بعض الدورات الجماعية، فإن المؤشر الحقيقي يبقى هو ما يراه المواطن على أرض الواقع. فالساكنة اليوم لا تقيس نجاح المشاريع بحجم المزايدات والسجالات السياسية، وإنما بما توفره من طرق حديثة، وحدائق منظمة، ومرافق رياضية، وأسواق مؤهلة، وفضاءات عمومية تستجيب لتطلعاتها.
إن مدينة فاس تعيش اليوم مرحلة انتقالية مهمة، تنتقل فيها من منطق تدبير الإكراهات إلى منطق صناعة الفرص. فالاستثمارات التي يتم ضخها في البنية التحتية، والفضاءات العمومية، والمرافق الرياضية، والتأهيل الحضري، ليست مشاريع ظرفية، وإنما جزء من رؤية وطنية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على إعداد المدن المغربية لمواكبة التحولات الاقتصادية والسياحية والرياضية التي يعرفها المغرب.
ومع اقتراب موعد احتضان المملكة لكأس العالم 2030، لم يعد مقبولا أن تبقى المدن التاريخية خارج دينامية التأهيل والتحديث. وفاس، بما تمثله من ثقل حضاري وثقافي، مطالبة بأن تستعيد مكانتها ضمن كبريات المدن المغربية، وهو ما يفسر حجم الأوراش المفتوحة اليوم، والتي تشكل استثمارا في مستقبل المدينة أكثر من كونها مجرد مشاريع للبنية التحتية.
وإذا كانت الطريق لا تزال طويلة، فإن ما تحقق إلى حدود اليوم يؤكد أن فاس دخلت بالفعل ورشا تنمويا غير مسبوق، وأن المدينة تسير بخطى ثابتة نحو نموذج حضري جديد، يقوم على بنية تحتية حديثة، وفضاءات عمومية ذات جودة، ومرافق رياضية وثقافية متطورة، ورؤية مستقبلية تجعل من العاصمة العلمية مدينة في مستوى الطموحات الوطنية، وتؤهلها لتكون إحدى أبرز واجهات المغرب في أفق سنة 2030.






