عمدة فاس أمام امتحان قضائي جديد في ملف البوصيري.. من براءة ابتدائية إلى إدانة استئنافية ثم النقض، وأسئلة المسؤولية لا تسقط بالتقادم

تعود قضية شبكة الفساد المالي والإداري بجماعة فاس إلى واجهة الأحداث من بوابة محاكمة جديدة لعمدة المدينة عبد السلام البقالي، المنتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، في ملف لم يعد مجرد قضية قضائية عادية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولقدرة المؤسسات على توضيح حقيقة ما جرى داخل واحدة من أكبر الجماعات الترابية بالمغرب.
اليوم الاثنين 19 أكتوبر، تستأنف غرفة الجنايات الاستئنافية بعد النقض بمحكمة الاستئناف بفاس النظر في الملف الذي يتابع فيه البقالي إلى جانب سفيان الدريسي، الكاتب السابق لمجلس الجماعة، وذلك بعد قرار محكمة النقض القاضي بنقض وإبطال الحكم الاستئنافي السابق وإحالة القضية على هيئة قضائية أخرى للبت فيها من جديد.
وتكتسب هذه المحاكمة أهميتها من المسار القضائي الذي قطعه الملف، إذ سبق للمحكمة الابتدائية أن قضت ببراءة البقالي والدريسي، قبل أن تلغي غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بالبت في الجرائم المالية هذا الحكم في يونيو 2024، وتدينهما بستة أشهر حبسا نافذا لكل واحد منهما. غير أن محكمة النقض قبلت الطعن المقدم من دفاعهما، لتعود القضية إلى مرحلة جديدة من المحاكمة، دون أن يعني ذلك ثبوت البراءة أو الإدانة بصورة نهائية.
العمدة في قلب قضية هزت جماعة فاس.. والمسؤولية السياسية تطرح أسئلة محرجة
يتابع عبد السلام البقالي بتهمة عدم التبليغ عن وقوع جناية، وهي تهمة تختلف قانونيا عن التهم المرتبطة بتبديد الأموال العمومية أو الارتشاء أو التزوير التي وردت في الملف بشأن متهمين آخرين. لكن طبيعة المسؤولية التي يتحملها رئيس جماعة ترابية تجعل القضية تطرح أسئلة تتجاوز حدود المتابعة القضائية الضيقة، لتصل إلى واجب المسؤول المنتخب في حماية المرفق العام، والتفاعل مع أي أفعال خطيرة قد تمس نزاهة تدبير المال العام.
فحين يتعلق الأمر بجماعة بحجم فاس، فإن الرأي العام لا ينتظر فقط معرفة مآل المسطرة القضائية، بل يتطلع أيضا إلى توضيح حقيقة ما وقع، وكيف أمكن أن تتفجر قضية بهذا الحجم داخل المؤسسة الجماعية، وما حدود مسؤولية كل طرف بحسب موقعه واختصاصاته وما يثبته القضاء من وقائع.
وهنا تكمن حساسية وضع العمدة: فالبقالي ليس موظفا عاديا ورد اسمه عرضا في ملف، بل رئيس مؤسسة منتخبة تتولى تدبير شؤون مدينة كبرى، ولذلك فإن محاكمته تعيد إلى الواجهة سؤال الثقة في المسؤولين المحليين، ومدى انسجام الخطاب المعلن حول الحكامة الجيدة مع مقتضيات المحاسبة الفعلية.
ولا يجوز، في المقابل، تحويل هذه الأسئلة إلى أحكام مسبقة، أو اعتبار التهمة الموجهة إلى العمدة دليلا قائما بذاته على ارتكابه جرائم الفساد المنسوبة إلى متهمين آخرين. فالمحكمة وحدها تملك سلطة الحسم في مسؤوليته الجنائية، بناء على الأدلة والوقائع والدفوع المعروضة أمامها.
من ستة أشهر حبسا نافذا إلى محاكمة جديدة.. مسار قضائي يستوجب التتبع
في يونيو 2024، أصدرت غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بالبت في الجرائم المالية أحكاما أعادت رسم مسار القضية، بعدما ألغت البراءة الابتدائية الصادرة في حق البقالي والدريسي، وقضت بإدانتهما بستة أشهر حبسا نافذا لكل واحد منهما.
لكن قرار محكمة النقض بنقض الحكم وإبطاله فتح الباب أمام إعادة المحاكمة أمام هيئة قضائية أخرى، ما يجعل جلسة اليوم محطة جديدة في مسار لا تزال نتيجته النهائية غير محسومة.
وبالنسبة إلى سفيان الدريسي، الكاتب السابق لمجلس جماعة فاس، فإن المتابعة تتعلق باستغلال النفوذ، وقد سبق أن استقال من مهمته داخل المجلس عقب صدور الحكم الاستئنافي السابق.
أما عبد القادر البوصيري، البرلماني الاتحادي السابق ونائب عمدة فاس السابق، الذي شكل محور القضية، فقد رفعت المحكمة الاستئنافية في يونيو 2024 العقوبة الصادرة في حقه من خمس سنوات إلى ثماني سنوات سجنا نافذا. وشملت الأحكام نفسها تشديد عقوبات عدد من المتابعين، من بينهم مقاولون ووسطاء، في قضايا مرتبطة بالملف.
وتعكس هذه الأحكام حجم القضية وتعدد المتابعين فيها، لكنها لا تسمح بخلط التهم أو المسؤوليات، إذ يتعين تحديد الأفعال المنسوبة إلى كل متهم على حدة، وعدم تحميل العمدة تلقائيا مسؤولية الجرائم التي أدين بها أشخاص آخرون.
هل تكفي المسطرة القضائية وحدها لإعادة الثقة في تدبير الشأن المحلي؟
إن جوهر القضية لا يقتصر على عدد أشهر الحبس التي قد تنتهي إليها المحاكمة، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بصورة المؤسسات المنتخبة ومدى قدرتها على حماية المال العام وصون الثقة التي يضعها المواطنون فيها.
فمدينة فاس، بما تحمله من ثقل تاريخي وحضاري وانتظارات اجتماعية وتنموية، تحتاج إلى مؤسسات واضحة في تدبيرها، وإلى مسؤولين قادرين على تقديم أجوبة مقنعة بشأن الملفات التي تثار حولها شبهات خطيرة. ولا يمكن أن تستعيد الثقة العامة من خلال الشعارات وحدها، بل عبر الشفافية واحترام القانون وإظهار الحقيقة كاملة.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة محاكمة العمدة تفرض متابعة دقيقة لما ستكشف عنه المناقشات القضائية، وما ستقدمه الأطراف من حجج ودفوع، وما ستخلص إليه الهيئة الجديدة بشأن التهمة المنسوبة إليه. كما تفرض على المتابعين للشأن المحلي التمييز بين المسؤولية السياسية والأخلاقية التي يثيرها موقع العمدة، والمسؤولية الجنائية التي لا تثبت إلا بحكم قضائي.
فاس تنتظر الحقيقة.. والقضاء وحده يحسم المسؤوليات
إن المطلوب في ملف البوصيري ليس إدانة مسبقة تحت ضغط الرأي العام، ولا تبرئة تلقائية لمجرد قبول الطعن بالنقض، وإنما محاكمة تكشف الوقائع وتحدد المسؤوليات وفق القانون، بعيدا عن الحسابات الحزبية أو السياسية.
فإذا ثبت للمحكمة، بعد مناقشة الملف والأدلة، أن الأفعال المنسوبة إلى العمدة قائمة قانونا وثابتة في حقه، فإن مقتضيات العدالة تقتضي ترتيب آثارها القانونية كاملة. وإذا انتهت المحكمة إلى خلاف ذلك، وجب احترام قرارها وأسبابه.
وبين هذا الاحتمال وذاك، تبقى الحقيقة القضائية هي الفيصل، وتظل المحاكمة الجديدة فرصة لتوضيح ما ظل عالقا في واحد من أبرز ملفات الفساد المالي والإداري المرتبطة بتدبير جماعة فاس.
أما الرسالة الأهم، فهي أن رئاسة الجماعة ليست امتيازا يعفي صاحبها من المساءلة، كما أن المتابعة القضائية ليست إدانة نهائية. وبين الأمرين، ينتظر سكان فاس جوابا واضحا من القضاء، يعيد الاعتبار لمبدأ المحاسبة ويؤكد أن المال العام مسؤولية لا تحتمل التهاون، وأن لا أحد فوق القانون.






