شلل العدالة يضع وزير العدل أمام اختبار الحسم… إضراب المحامين يوسّع الشرخ ويُربك المحاكم

دخلت منظومة العدالة بالمغرب مرحلة غير مسبوقة من الارتباك المؤسسي، بعد أن أفضى الإضراب الشامل الذي يخوضه المحامون إلى شلل شبه تام في عمل المحاكم، في مشهد يطرح أسئلة ثقيلة حول طريقة تدبير الحكومة، ووزارة العدل على وجه الخصوص، لورش إصلاح يُفترض أن يكون توافقيًا لا تصادميًا. فقرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، دون تحديد سقف زمني، لم يعد مجرد خطوة احتجاجية عادية، بل تحول إلى مؤشر سياسي وقانوني على انسداد حقيقي في قنوات الحوار، وعلى فشل واضح في استيعاب حساسية مهنة الدفاع داخل منظومة العدالة.
القرار، الذي خرج به مكتب الجمعية عقب اجتماع مفتوح انعقد يوم السبت 31 يناير بالرباط، جاء بعد تقييم شامل لمسار التواصل مع الحكومة، ومع عدد من المؤسسات الدستورية، وكذا مع أحزاب سياسية من الأغلبية والمعارضة، ليخلص إلى نتيجة واحدة: لا تجاوب عملي، ولا مؤشرات جدية على إرادة سياسية لتصحيح المسار. وهو ما جعل المحامين يعتبرون أن الحديث الرسمي عن “باب الحوار المفتوح” لم يتجاوز مستوى التصريح الإعلامي، دون أن يترجم إلى إجراءات ملموسة أو تنازلات تعكس احترام استقلالية المهنة.
وسجّل مكتب الجمعية، بلغة لا تخلو من دلالات سياسية، النجاح الواسع للتوقف الشامل الذي أُعلن عنه في 17 يناير 2026، معتبرا أن الالتزام الجماعي للمحامين يعكس وعيا مهنيا عاليا، وإجماعا غير مسبوق داخل الجسم المهني على خطورة مشروع قانون المحاماة المطروح، وعلى ما يحمله من مساس جوهري بتوازنات المهنة ومكتسباتها التاريخية. هذا الإجماع، الذي قلّما تحقق بهذا الوضوح، منح للإضراب قوة رمزية وميدانية أربكت سير المحاكم، ووضعت وزارة العدل في قلب العاصفة.
في المقابل، حرصت جمعية هيئات المحامين على توجيه رسائل مزدوجة: رسالة شكر للمؤسسات الدستورية والأحزاب التي أنصتت لمطالب المحامين وأبدت تفهما لمخاوفهم، ورسالة ضغط مباشر على الحكومة، مفادها أن مهنة الدفاع ليست فئة قابلة للتطويع، ولا طرفا ثانويا في معادلة العدالة. فرفض الجمعية المطلق لمشروع قانون المحاماة رقم 23.66 لم يكن رفضا شكليا أو مرتبطا بتفاصيل تقنية، بل موقفا مبدئيا يدعو إلى سحب المشروع وإعادة فتح النقاش بشأنه وفق منهجية تشاركية حقيقية، تحترم ثوابت المهنة وتستحضر دورها الدستوري في حماية الحقوق والحريات.
وشدد المحامون، في بلاغهم، على أن رؤيتهم للإصلاح تتجاوز أي منطق فئوي أو مطلبي ضيق، وتندرج ضمن تصور شامل لإصلاح العدالة يضع المواطن في صلب الاهتمام، ويضمن التوازن داخل المنظومة القضائية، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي جعلت من استقلال القضاء وحقوق الدفاع ركائز أساسية لدولة القانون. وهي رسالة تحمل في طياتها إحراجا سياسيا لوزارة العدل، التي تجد نفسها اليوم مطالبة بتبرير اختياراتها أمام واقع ميداني ينذر بتداعيات أخطر إذا استمر منطق التجاهل.
وبناء على هذا التقدير، قرر مكتب جمعية هيئات المحامين الاستمرار في التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، بما في ذلك مقاطعة منصة التقاضي عن بعد والتوقف عن أداء الرسوم القضائية عبرها، في خطوة تصعيدية تؤكد أن الأزمة دخلت مرحلة كسر العظم المؤسساتي. كما أعلن عن تنظيم ندوة صحفية يوم الثلاثاء 3 فبراير 2026، لتنوير الرأي العام بخلفيات الموقف وتطورات الملف، إلى جانب مراسلة المسؤولين القضائيين من أجل اتخاذ تدابير استعجالية تحمي حقوق المتقاضين وتحدّ من الأضرار الجانبية للإضراب.
وفي انتظار الوقفة الوطنية المقررة يوم الجمعة 6 فبراير، ومع إبقاء اجتماعات المكتب مفتوحة لمواكبة المستجدات، يظل السؤال المركزي معلقا: هل يختار وزير العدل عبد اللطيف وهبي منطق الحسم السياسي المسؤول عبر فتح حوار حقيقي يعيد الثقة ويُنقذ ورش إصلاح العدالة من التعثر، أم يستمر في الرهان على عامل الوقت، في ملف أثبت أنه لا يحتمل المناورة ولا المعالجة الأحادية؟
ما هو مؤكد أن شلل المحاكم لم يعد مجرد رقم في تقارير الأداء، بل بات إنذارا واضحا بأن أي إصلاح يُفرض دون توافق، وأي قانون يُمرر دون إشراك حقيقي للفاعلين، مآله التعطيل والاحتقان، وهو درس مؤسساتي قد يكون ثمنه باهظا إذا لم يتم التقاطه في الوقت المناسب.






