سياسة

زمن سرقة أحذية المجاهدين.. بنكيران يتقمص نضال عبد الكريم الخطابي بعد أن تواطأ حزبه مع قمع الريف

في صورة أثارت موجة من السخط والاستنكار الواسعين، ظهر عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى جانب نائبه إدريس الأزمي الإدريسي، وكاتب شبيبة الحزب، وهم يحملون صورة للزعيم الريفي الكبير محمد عبد الكريم الخطابي، مرفقة بعبارة تقول:

“ليس هناك نجاح أو فشل، هناك واجب قمنا به تجاه الوطن، اتجاه شعبه، اتجاه أمة إسلامية، وإنني قمت بهذا الواجب لا أكثر.”

الصورة أراد منها بنكيران تمرير رسائل رمزية، يوهم من خلالها الرأي العام بأنه حامل لإرث المقاومة والمبادئ التي ناضل من أجلها الخطابي، بُغية استعادة بريق سياسي مفقود بعد سنوات من التراجع الشعبي والانهيار الانتخابي. غير أن الصورة لم تمر مرور الكرام، بل سرعان ما قوبلت بردود فعل غاضبة، خاصة من نشطاء ومناضلين ريفيين اعتبروا أن ما جرى هو “عملية سرقة واضحة لذاكرة المجاهدين ومحاولة يائسة لتقمص نضالات لم يشارك الحزب في صناعتها، بل نكل بمن رفع لواءها حديثاً.”

بنكيران من “أين تقع الحسيمة؟” إلى تقبيل صورة الخطابي

يستحضر الرأي العام المغربي جيداً المواقف الصادمة التي عبّر عنها بنكيران بخصوص منطقة الريف حين كان في منصب رئيس الحكومة، أبرزها عبارته الشهيرة والمستفزة:

“أين تقع الحسيمة؟”

التي لم تكن مجرد زلة لسان، بل تعبير عن لامبالاة متجذرة تجاه قضايا الريف وتاريخه ونضالاته.

هذا التصغير المتعمد لقيمة المنطقة وساكنتها تحوّل لاحقاً إلى سياسات قمعية صريحة خلال الولاية الحكومية الثانية لحزب العدالة والتنمية، والتي توصف اليوم في الريف بـ”المرحلة السوداء”، حيث تزامنت مع اندلاع حراك الريف السلمي في 2016-2017، عقب مقتل محسن فكري، وتُوّجت بحملة اعتقالات واسعة استهدفت شباب الحراك الذين لم يطالبوا إلا بمطالب اجتماعية بسيطة: مستشفى، مدرسة، طريق، وكرامة.

لكنّ الحزب، بدل أن ينصت إلى صوت الشارع، اختار أن يتماهى مع المقاربة الأمنية، مفضلاً الحفاظ على موقعه في السلطة على حساب دموع الأمهات وصرخات المعتقلين.

لا ذاكرة قصيرة في الريف

يريد اليوم بنكيران أن يُلبس نفسه عباءة عبد الكريم الخطابي، زعيم المقاومة الريفية ضد الاستعمار، لكن الريف لا ينسى.

لا ينسى من تنكر له، من صمت حين همشت القرى   و اعطيت الوعود الكاذبة، ومن وقف موقف المتفرج أو الشريك في دفن الحلم المشروع لساكنة طالما ناضلت بصمت.

فهل يظن بنكيران أن صورة مؤطرة وتظاهرة وجدانية كافية لمحو التاريخ؟

هل يعتقد أن أبناء الريف سيغفرون لحزبه أنه قاد حكومتين متتاليتين دون أن يقدم للمنطقة أي مشروع تنموي يذكر، سوى قمع الحراك والتصويت على قوانين التراجعات الاجتماعية؟

إنه زمن التمويه والانتهازية، حيث يُستعمل المجاهدون بعد موتهم لتجميل وجوه انهارت أخلاقيًا وسياسيًا.

بنكيران لا يستحضر عبد الكريم الخطابي حبًا في المقاومة ولا إيمانًا بعدالة الريف، بل لأنه يعرف جيدًا حجم الأزمة التي يعيشها حزبه، ويأمل في استعادة شرعية سقطت داخل الصناديق وخارجها.

لكن استغلال الرموز التاريخية لن يكون طوق نجاة، بل وصمة عار جديدة تُضاف إلى سجل طويل من النفاق السياسي والتخلي عن المبادئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى