زلزال “الاختلالات” يضرب المجالس الإقليمية بجهة فاس.. هل تتحرك “داخلية” لفتيت قبل فوات الأوان؟

تعيش عدد من المجالس المنتخبة بجهة جهة فاس مكناس على وقع موجة غير مسبوقة من الانتقادات والاتهامات، بعدما تحولت دورات المجالس الأخيرة إلى منصات مكشوفة لتبادل الاتهامات بشأن تدبير المال العام، وسط حديث متزايد عن سندات طلب و صفقات عمومية و توزيع المال العام بطريقة مشكوك في شفافيتها، وتبديد محتمل لمليارات السنتيمات في مشاريع لم يظهر أثرها التنموي على أرض الواقع.
هذه الأجواء المشحونة أعادت إلى الواجهة النقاش حول حكامة التدبير المحلي، كما وضعت وزارة الداخلية، التي يقودها الوزير عبد الوافي لفتيت، أمام اختبار حقيقي لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة التي قد تعيد رسم الخريطة السياسية على مستوى المجالس الترابية.
دورات المجالس تتحول إلى ساحات مواجهة
لم تعد دورات المجالس الإقليمية و الجماعات الترابية في الجهة مجرد اجتماعات إدارية روتينية لمناقشة الميزانيات أو المصادقة على المشاريع، بل تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى ساحات مواجهة سياسية مكشوفة بين الأغلبية والمعارضة.
ففي عدد من الاجتماعات لدورات المجلس خلال شهر فبراير التي حضرها ممثلو السلطة المحلية، ارتفعت أصوات منتخبين وهم يتبادلون الاتهامات بشكل مباشر حول ما وصفوه بسوء التدبير المالي، وهدر المال العام، وتمرير صفقات بطريقة تفتقر إلى الشفافية ووجود إختلالات في التسيير تقتضي المسألة القضائية.
كما تحدث بعض المنتخبين عن توزيع الدعم والمنح بشكل انتقائي يخدم مصالح انتخابية ضيقة، بدل توجيهها وفق معايير تنموية واضحة، في وقت تعاني فيه العديد من الأقاليم من خصاص حاد في البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وتكشف هذه المواجهات العلنية عن عمق الأزمة التي تعيشها بعض المجالس، حيث لم تعد الخلافات السياسية مجرد تنافس ديمقراطي، بل تحولت إلى اتهامات ثقيلة تمس جوهر تدبير المال العام.
مشاريع بملايين الدراهم دون أثر تنموي واضح
ما يزيد من حدة الانتقادات هو أن عدداً من المشاريع التي رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة لم تحقق النتائج المنتظرة على مستوى التنمية المحلية.
ففي عدة مناطق قروية داخل الجهة، ما تزال الطرق في وضعية متدهورة، كما تعاني الجماعات من نقص في الخدمات الأساسية، رغم مرور سنوات على إطلاق برامج تنموية يفترض أنها رُصدت لها ميزانيات ضخمة.
هذا التناقض بين حجم الإنفاق المعلن والنتائج المتواضعة على أرض الواقع دفع متتبعين إلى التساؤل عن وجهة الأموال العمومية، وعن مدى احترام قواعد الحكامة في تدبير الصفقات العمومية.
صمت السلطة المحلية يثير التساؤلات
أمام هذه الاتهامات المتبادلة داخل دورات المجالس، يطرح العديد من المتابعين سؤالاً محورياً: أين دور السلطات الوصية؟
فالكثير من تلك الاتهامات طُرحت خلال جلسات رسمية حضرها ممثلو الإدارة الترابية، ومع ذلك لم تظهر إلى حدود الآن مؤشرات قوية على فتح تحقيقات معمقة في بعض الملفات التي أثارت الجدل.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن تجاهل هذه الاتهامات أو التعامل معها ببرود قد يساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة، خصوصاً في ظل تنامي الإحساس بأن بعض المجالس تحولت إلى فضاءات لتصفية الحسابات السياسية بدل خدمة التنمية.
مطلب تدخل المفتشية العامة
في ظل هذه الأجواء المتوترة، تتزايد الأصوات المطالبة بتدخل المفتشية العامة لوزارة الداخلية لإجراء افتحاص شامل لتدبير عدد من المجالس الإقليمية داخل الجهة.
ويعتبر متابعون أن نزول لجان التفتيش إلى الميدان أصبح ضرورة ملحة من أجل التدقيق في الصفقات العمومية، ومراجعة طرق صرف الميزانيات، والكشف عن أي اختلالات محتملة في تدبير المال العام.
كما يدعو البعض إلى إشراك الأجهزة القضائية المختصة في حال ثبوت تجاوزات مالية، حتى لا تبقى التقارير حبيسة الرفوف دون ترجمة عملية على مستوى المتابعة والمساءلة.
دور القضاء في استعادة الثقة
ويرى خبراء في الحكامة المحلية أن إعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة تمر عبر تفعيل آليات المحاسبة بشكل فعلي، وليس فقط عبر الخطابات السياسية.
فحين يشعر المواطن بأن المال العام يخضع للمراقبة الصارمة، وأن أي اختلالات مالية قد تؤدي إلى متابعة قضائية، فإن ذلك يعزز مصداقية المؤسسات ويعيد الاعتبار للعمل السياسي.
أما في حالة استمرار الشبهات دون تحقيقات واضحة، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مزيد من فقدان الثقة في المجالس المنتخبة، وهو ما قد ينعكس سلباً على المشاركة السياسية مستقبلاً.
الانتخابات المقبلة… اختبار للمشهد السياسي
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية القادمة، يعتقد عدد من المراقبين أن المرحلة المقبلة ستفرض على السلطات العمومية إعادة ترتيب المشهد المحلي.
فالكثير من الأصوات باتت تطالب بضرورة غربلة المشهد السياسي ومنع كل من تحوم حوله شبهات تدبير مالي أو استغلال النفوذ من العودة إلى الواجهة الانتخابية.
ويرى هؤلاء أن الإصلاح الحقيقي لا يمر فقط عبر إطلاق مشاريع تنموية جديدة، بل يبدأ أولاً بتطهير المؤسسات المنتخبة من الممارسات التي شوهت صورة العمل السياسي لدى جزء واسع من الرأي العام.
معركة الثقة بين المواطن والمؤسسات
في نهاية المطاف، تعكس الأزمة التي تعيشها بعض المجالس بجهة فاس-مكناس معركة أعمق تتعلق بثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
فالمواطن الذي ينتظر تحسين الطرق والخدمات وفرص الشغل، لا يعنيه حجم الميزانيات بقدر ما يعنيه الأثر الحقيقي للمشاريع على حياته اليومية.
لذلك، فإن المرحلة القادمة ستضع الجميع أمام مسؤولية واضحة:
إما القطع مع ممارسات الريع وسوء التدبير، أو استمرار دائرة الشك التي تلاحق العمل السياسي المحلي منذ سنوات.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الذي يتردد بقوة داخل الأوساط المحلية:
هل تتحرك مؤسسات الرقابة لفتح الملفات العالقة، أم أن الجدل سيظل حبيس قاعات المجالس إلى حين موعد الانتخابات القادمة؟






