رمضان والعقيدة و شهر الإيمان

مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجلى في هذا الشهر الفضيل قيم العقيدة الإسلامية في أسمى صورها، فهو ليس مجرد صيام وقيام، بل هو فرصة لتجديد العلاقة مع الله تعالى، وتعزيز القيم الروحية، وتحصين النفوس بالإيمان والتقوى. ويعد رمضان محطة سنوية يترسخ فيها التوحيد في القلوب، وتتضح معاني الإخلاص، ويزداد اليقين في الله سبحانه وتعالى، بما يجعل الصائم أقرب إلى ربه في كل عمل يقوم به، سرًّا وعلانية.
التوحيد والإخلاص في رمضان
يُعتبر توحيد الله تعالى جوهر العقيدة الإسلامية، وهو أول ما دعته الرسالات السماوية، كما جاء في القرآن الكريم:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلطَّاغُوتَ) (النحل: 36).
ويتيح رمضان للمسلم ممارسة الإخلاص في العبادة عبر عدة مظاهر:
-
إفراد الله بالعبادة: فالصيام عبادة خاصة لله تعالى، لا يطلع عليها أحد سواه، وهو ما أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه).
-
التحلي بالإخلاص: امتنع الصائم عن الطعام والشراب والشهوات سرًّا وعلانية، فلا يقصد بذلك أحدًا إلا الله، مما يعزز معنى الإخلاص في كل أفعال الإنسان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجْلِي» (رواه مسلم).
-
اللجوء إلى الله بالدعاء: رمضان فرصة للتقرب من الله بالرجاء والدعاء، كما قال تعالى:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) (البقرة: 186).
وهذه الآية تذكّر بأن الله وحده قادر على تحقيق المطالب وقضاء الحوائج، وتؤكد أن التقرب منه ضرورة لكل مسلم.
تعظيم الربوبية والشكر على النعم
يستشعر المسلم في رمضان معنى ربوبية الله تعالى، باعتباره الخالق والمدبر والرازق. ويتجلى هذا من خلال:
-
إدراك أن الله تعالى هو الذي فرض الصيام وحدد أوقاته، وأن كل لحظة في هذا الشهر مقرونة بتقديره وحكمته.
-
شعور الصائم بالنعمة عند الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، وهو إدراك مستمر لعطاء الله وفضله في كل لقمة يتناولها.
اليوم الآخر والرجاء في الأجر
يرتبط الصيام بالرجاء في الثواب والابتعاد عن المعاصي خوفًا من العقاب، فهو وسيلة لتقوية الإيمان بالآخرة. وقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم الصائمين بالأجر العظيم:
«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم).
ويذكر رمضان الصائمين بالجنة ونعيمها، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
«للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» (متفق عليه).
ويفسر النووي هذه الفرحة قائلاً: “أما فرحته عند لقاء ربه فبما يراه من جزائه، وتذكر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك”.
الإيمان بالقدر وتنظيم الحياة
يشحذ رمضان إدراك المسلم أن كل شيء مقدر من الله تعالى، وأن الأرزاق والأقدار مرتبطة بحكمته:
-
بداية الشهر ونهايته مرتبطة برؤية الهلال، ما يعكس تسليم الإنسان لتقدير الله.
-
إدراك أن كل رزق وآجل محدد، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة… ثم يُرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (رواه البخاري ومسلم).
-
ليلة القدر، التي تُكتب فيها مقادير السنة كلها، قال تعالى عنها: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (الدخان: 4)، وهي تذكير بقيمة كل عمل وأثره على حياة الإنسان.
رمضان محطة للتزكية الروحية
رمضان ليس مجرد عبادة ظاهرية، بل فرصة لإعادة ترتيب الحياة الروحية والنفسية. فهو يعزز:
-
التقوى في التعامل مع النفس والآخرين.
-
الصبر على المصاعب والابتلاءات اليومية.
-
الامتنان والشكر على نعم الله.
-
الالتزام بالقيم الأخلاقية في كل فعل، بما يجعل الصائم أكثر استعدادًا لاستكمال الطريق الإيماني طوال العام.
إن اغتنام رمضان يعني تحويل هذا الشهر إلى تجربة روحية شاملة، حيث يجمع الصيام والقيام والصدقة والدعاء بين البعد الفردي والبعد الاجتماعي، بما يعكس إصلاح النفس والمجتمع معًا.






