سياسة

تحليل إخباري: توتر داخل الأغلبية… “الأحرار” و”الأصالة والمعاصرة” على إيقاع صراع صامت ورمضان سياسي ساخن في الأفق

تعيش مكونات الأغلبية الحكومية على وقع ارتباك سياسي غير معلن، تتسع دوائره تدريجياً بين قطبيها الرئيسيين: حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة. فبعد أشهر من التماسك الظاهري، بدأت مؤشرات التصدع تطفو إلى السطح، ليس عبر تصريحات مباشرة، بل من خلال رسائل سياسية مشفرة، كان أبرزها الإعلان عن ندوتين صحفيتين منفصلتين حول الموضوع نفسه وفي اليوم ذاته.

الحدث، في ظاهره تقني تواصلي، لكنه في عمقه يحمل دلالات سياسية قوية. إذ يرتقب أن يعقد الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، ندوته الأسبوعية عقب المجلس الحكومي، في الوقت الذي دعا فيه وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، إلى لقاء صحفي بمقر قطاع التواصل لمناقشة مستجدات مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.

ازدواجية التواصل… أم صراع على المبادرة؟

المراقبون اعتبروا هذه “الازدواجية” خروجاً عن الأعراف التنظيمية داخل العمل الحكومي، حيث جرت العادة أن يحضر الوزير المعني إلى جانب الناطق الرسمي عند تقديم مشاريع القوانين ذات الحساسية السياسية والمهنية. غير أن اختيار وزير ينتمي إلى “البام” عقد ندوة مستقلة، بالتوازي مع الندوة الرسمية، فُسّر كرسالة سياسية أكثر منه مجرد ترتيب بروتوكولي.

مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة يأتي في سياق أزمة عميقة يعرفها القطاع، خاصة بعد تشكيل لجنة مؤقتة لتدبير شؤونه، وما رافق ذلك من جدل مهني وحقوقي. وبالتالي فإن تعدد المنصات لعرض الموقف الحكومي قد يعكس تبايناً في المقاربات، أو على الأقل صراعاً حول من يملك حق الإمساك بزمام المبادرة السياسية والتواصلية.

سوابق تكشف عمق الخلاف

التوتر الحالي لا يبدو معزولاً عن سياقات سابقة. ففي أزمة المحامين، تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش لفتح قنوات حوار مباشرة مع الهيئات المهنية بشأن مشروع قانون المهنة، في خطوة اعتبرها متابعون تجاوزاً لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة.

ذلك التدخل حينها فُسر على أنه سحب للملف من يد وزير ينتمي إلى الحزب الحليف، ما غذّى انطباعاً بوجود توتر مكتوم حول حدود الصلاحيات السياسية داخل التحالف، وحول موقع الحزب القائد للحكومة مقارنة بباقي مكوناتها.

اليوم، يبدو أن ملف الصحافة يعيد إنتاج المشهد نفسه، ولكن بأدوات مختلفة: معركة رمزية حول من يتحدث باسم الإصلاح، ومن يتحكم في الإيقاع السياسي داخل الأغلبية.

قراءة في خلفيات “الرسائل المتبادلة”

يرى محللون أن لجوء المهدي بنسعيد إلى تنظيم ندوة منفصلة قد يعكس رغبة “البام” في تأكيد استقلالية وزرائه، وإبراز أنهم ليسوا مجرد امتداد تقني لخيارات الحزب القائد، بل فاعلون سياسيون يمتلكون رؤيتهم الخاصة في تدبير القطاعات المسندة إليهم.

في المقابل، تعتبر أطراف أخرى أن هذه الخطوة قد تتحول إلى سلاح ذي حدين، إذا ما فُهمت كخروج عن الانضباط الجماعي داخل الحكومة، أو كمحاولة لتسجيل نقاط سياسية في ظرفية دقيقة تتطلب تماسكاً أكبر.

وفي كل الأحوال، فإن تعدد المنابر حول مشروع قانون حساس يضع صورة “الانسجام الحكومي” على المحك، خاصة في ملفات تمس حرية الصحافة والتنظيم الذاتي، وهي قضايا تحظى بمتابعة وطنية ودولية.

رمضان سياسي ساخن في الأفق

كل المؤشرات توحي بأن شهر رمضان المقبل لن يكون عادياً في المشهد السياسي المغربي. فمع اقتراب الاستحقاقات التنظيمية والحزبية، واشتداد التنافس حول المواقع والنفوذ داخل الأغلبية، يُتوقع أن ترتفع حدة الخطاب السياسي، سواء داخل البرلمان أو عبر المنصات الإعلامية.

رمضان، الذي يتحول تقليدياً إلى موسم للنقاشات السياسية المكثفة، قد يشهد هذه السنة سجالاً حاداً بين مكونات التحالف الحكومي نفسها، في ظل صراع خفي على إعادة ترتيب موازين القوة، وضبط حدود الزعامة داخل الائتلاف.

تحالف الضرورة… أم بداية إعادة التموضع؟

الأغلبية الحالية قامت على منطق “تحالف الضرورة” لضمان الاستقرار المؤسساتي وتنزيل برنامج حكومي طموح. غير أن إدارة التوازنات بين أحزاب ذات مرجعيات وخلفيات تنظيمية مختلفة تبقى اختباراً يومياً.

فهل ما يجري مجرد تباين عابر في أساليب التواصل؟ أم أننا أمام بداية مرحلة إعادة تموضع سياسي داخل الأغلبية؟

الإجابة ستتضح مع توالي الملفات الساخنة، ومدى قدرة قيادات الأحزاب المعنية على احتواء الخلافات وتغليب منطق التنسيق. لكن المؤكد أن المشهد السياسي مقبل على أسابيع مشحونة، عنوانها الأبرز: صراع ناعم داخل البيت الحكومي، قد يتحول إلى مواجهة أكثر وضوحاً إذا لم تُضبط إيقاعاته في الوقت المناسب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى