سياسة

بعد 18 يناير ينتهي الهدوء… فبراير يشعل الأحزاب ومعركة شتنبر 2026 تنطلق مبكراً

يدخل المغرب سنة 2026 وهو محمّل بكل مؤشرات سنة انتخابية بامتياز، حيث تتهيأ الساحة السياسية لمرحلة مفصلية ستُحدد ملامح الحكومة المقبلة وتوازنات المشهد الحزبي لسنوات قادمة. الهدوء الذي طبع الحياة السياسية خلال الأسابيع الماضية لا يُقرأ إلا كاستراحة مؤقتة، سرعان ما ستنتهي مع منتصف يناير، تزامناً مع اختتام كأس أمم إفريقيا، وصدور الإطار القانوني الجديد المنظم للعملية الانتخابية.

فمع نهاية المنافسة القارية يوم 18 يناير، واستفادة الفاعلين السياسيين من هامش زمني قصير لإعادة ترتيب الأوراق، يُرتقب أن تدخل الأحزاب، مع بداية شهر فبراير، مرحلة استعدادات قوية ومفتوحة، تتجاوز منطق التحضير التقني إلى منطق التعبئة الشاملة، استعداداً لمعركة شتنبر 2026 التي يبدو أنها ستبدأ قبل موعدها الرسمي بأشهر طويلة.

هدوء سياسي مؤقت

المشهد السياسي الحالي يوحي بقدر من السكون، غير أن هذا السكون يخفي صراعاً مؤجلاً أكثر مما يعكس استقراراً حقيقياً. فالأحزاب، سواء داخل الأغلبية أو في صفوف المعارضة، تترقب اكتمال شروط الانطلاق: نهاية الاستحقاق الرياضي القاري، وضوح القواعد الانتخابية الجديدة، وبدء العدّ العكسي غير المعلن نحو الانتخابات التشريعية.

ومع انطلاق هذه المرحلة، يُتوقع أن تستعيد التنظيمات الحزبية خطابها التصعيدي، وأن تُفعّل أجهزتها التنظيمية، وتعود بقوة إلى الميدان، في محاولة لحجز مواقع متقدمة داخل الخريطة الانتخابية المقبلة.

اختلاط التدبير بالصراع الانتخابي

من أبرز ملامح المرحلة المقبلة تزايد التداخل بين منطق تدبير الشأن العام ومنطق التنافس الانتخابي. فقد أضحت الممارسة السياسية، في كثير من الأحيان، رهينة حسابات انتخابية مبكرة، حيث يُستثمر النقاش العمومي والملفات الاجتماعية والاقتصادية كورقة ضغط أو كأداة تموقع، بدل أن تُدار بمنطق المصلحة العامة والنجاعة المؤسساتية.

هذا التداخل لا يُربك فقط الأداء الحكومي، بل يُعمّق أيضاً أزمة الثقة بين المواطن والعمل السياسي، خاصة حين تتحول المؤسسات إلى ساحات صراع غير معلن، تُدار فيها المعارك الانتخابية قبل أوانها.

قانون جديد… وسلوك قديم

ورغم ما يُنتظر من تعديلات قانونية تروم تعزيز النزاهة والشفافية داخل المنظومة الانتخابية، فإن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بسلوك الفاعلين أنفسهم. فالتجربة أثبتت أن النصوص، مهما بلغت درجة صرامتها، لا تُحدث الأثر المطلوب ما لم تُواكبها إرادة سياسية حقيقية لقطع الطريق أمام المال الانتخابي وشبكات الزبونية وإعادة إنتاج النخب نفسها.

ويظل الخطر الأكبر متمثلاً في استمرار ضعف المشاركة الانتخابية، إذ إن العزوف يُمهّد تلقائياً لهيمنة منطق النفوذ والمال، ويفرز مؤسسات تمثيلية محدودة الفعالية، عاجزة عن مواكبة انتظارات المرحلة.

رهانات الأغلبية ومناورات المعارضة

في هذا السياق، تجد أحزاب الأغلبية نفسها أمام اختبار صعب، في ظل تنامي الانتظارات الاجتماعية وتزايد الضغط المرتبط بالقدرة الشرائية والخدمات العمومية. ومع اقتراب موعد الانتخابات، يصبح شبح “التصويت العقابي” حاضراً بقوة، ما يدفع هذه الأحزاب إلى تسريع وتيرة الدفاع عن حصيلتها، أو البحث عن مبررات لتقاسم المسؤولية.

في المقابل، تراهن المعارضة على استثمار هذا السياق، وعلى تقديم نفسها كبديل قادر على التقاط مزاج الناخبين الغاضب، مستندة إلى خطاب نقدي يُحاول تحميل التدبير الحالي كلفة الإخفاقات المتراكمة.

هل يعاد إنتاج المشهد؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه مع اقتراب شتنبر 2026 هو ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستفرز تحولاً حقيقياً في المشهد السياسي، أم أنها ستعيد إنتاج التوازنات نفسها بوجوه وبرامج مألوفة. المؤشرات الأولية لا توحي، حتى الآن، بولادة دينامية سياسية جديدة، بقدر ما تكشف عودة مبكرة إلى الأساليب التقليدية في التعبئة وبناء التحالفات.

غير أن السياق العام، داخلياً ودولياً، وتزايد الوعي المجتمعي، قد يجعلان كلفة تكرار السيناريوهات القديمة أعلى من السابق.

فبراير… بداية العدّ التنازلي

ما يبدو مؤكداً أن شهر فبراير سيكون نقطة التحول الفعلية في المشهد السياسي. فبعد انتهاء كأس إفريقيا يوم 18 يناير، ومع صدور مدونة الانتخابات بصيغتها الجديدة، ستُفتح عملياً معركة شتنبر 2026، بكل ما تحمله من صراعات وخطابات ومواجهات سياسية.

سنة 2026 لم تعد مجرد تاريخ على التقويم السياسي… بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لمعركة مبكرة، عنوانها: من يربح ثقة الناخب، ومن يدفع ثمن سنوات التدبير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى