مجتمع

المغرب في المرتبة 83 من أصل 91 في PISA.. برادة أمام زلزال تعليمي: هل نحن أمام فضيحة تعليمية جديدة على خطى «البرنامج الاستعجالي»؟

وضعت النتائج الجديدة لاختبار PISA 2025 وزارة التربية الوطنية أمام واحدة من أصعب لحظات المساءلة حول حصيلة الإصلاح التعليمي بالمغرب، بعدما حل التلاميذ المغاربة في المرتبة 83 من أصل 91 دولة واقتصاداً مشاركاً، في وقت سجلت فيه المملكة تراجعاً جديداً في عدد من المهارات الأساسية، وعلى رأسها القراءة والرياضيات. وتأتي هذه النتائج في وقت كانت فيه الحكومة قد جعلت إصلاح المدرسة العمومية وتحسين جودة التعلمات في صلب وعودها، وقدمت مشروع «مدارس الريادة» باعتباره أحد أبرز مداخل معالجة الاختلالات التي تعاني منها المنظومة.

وتكشف نتائج التقييم الدولي أن أكثر من سبعة تلاميذ مغاربة من أصل عشرة يوجدون ضمن فئة ضعاف الأداء في المجالات الأساسية، بينما تظل نسبة التلاميذ الذين يحققون مستويات متقدمة محدودة للغاية. وفي القراءة، حصل المغرب على متوسط 321 نقطة، مقابل 461 نقطة لمتوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مسجلاً تراجعاً بـ18 نقطة مقارنة بدورة 2022، فيما تراجع الأداء في الرياضيات بـ10 نقاط، بينما ظل مستوى العلوم بدوره بعيداً عن المعدلات المسجلة في دول المنظمة.

هذه الأرقام لا تسمح بالتعامل مع الوضع باعتباره مجرد تعثر ظرفي أو نتيجة غير موفقة في اختبار دولي، لأن المؤشرات الجديدة تأتي لتؤكد استمرار أزمة التعلمات الأساسية داخل المدرسة المغربية. فبعد سنوات من الإصلاحات والاستراتيجيات والبرامج، لا يزال التلميذ المغربي يواجه صعوبات كبيرة في القراءة والفهم والحساب والعلوم، وهي المهارات التي تشكل الأساس لأي مسار تعليمي ناجح.

والأكثر إحراجاً بالنسبة للحكومة الحالية أن هذه النتائج جاءت في سياق سياسي رُفعت فيه سقوف الوعود المتعلقة بإصلاح التعليم. فقد التزمت الحكومة عند تنصيبها سنة 2021 بالعمل على الارتقاء بالمنظومة التربوية وتحسين ترتيب المغرب في المؤشرات الدولية، بل تحدثت ضمن التزاماتها عن السعي إلى وضع المغرب ضمن أفضل 60 دولة في مجال التعليم. لكن نتيجة PISA الجديدة تضع هذا الطموح أمام واقع مختلف تماماً، بعدما استقر المغرب في المرتبة 83.

وفي خضم هذا النقاش، يعود مشروع «مدارس الريادة» إلى واجهة المساءلة، باعتباره واحداً من أبرز المشاريع التي راهنت عليها الحكومة الحالية لتحسين مستوى التلاميذ ومعالجة التعثرات في التعلمات. وإذا كانت الوزارة قد قدمت المشروع باعتباره تجربة تهدف إلى إحداث تحول في المدرسة العمومية، فإن النتائج الجديدة تفرض سؤالاً مشروعاً حول مدى نجاعة هذا الورش وحجم أثره الفعلي على مستوى التلاميذ.

ولا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم مسبق على المشروع أو تحميله مسؤولية أزمة تراكمت على مدى عقود، وإنما بطرح سؤال بسيط ومشروع: ما الذي تحقق فعلياً مقابل الإمكانيات التي جرى تعبئتها؟

فالمال العام الذي يوجه إلى إصلاح التعليم يجب أن يكون موضوع تقييم ومساءلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع وطنية واسعة تستفيد من اعتمادات وموارد بشرية ولوجستيكية وتكوينية. ومن حق الرأي العام أن يعرف حجم الأموال التي تم رصدها لـ«مدارس الريادة»، وكيف تم صرفها، وما هي طبيعة الصفقات المرتبطة بها، وما النتائج التي تحققت على مستوى التعلمات، وما إذا كانت هناك مؤشرات مستقلة تؤكد نجاح المشروع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى افتحاص مالي وإداري وبيداغوجي شامل لمشروع «مدارس الريادة»، ليس بهدف توجيه اتهامات مسبقة إلى أي جهة، وإنما للتأكد من مدى نجاعة الإنفاق العمومي ومدى تطابق النتائج المحققة مع الأهداف التي أعلنتها الوزارة. فالمغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من الشعارات حول إصلاح التعليم، بقدر ما يحتاجون إلى أرقام واضحة تكشف الكلفة والنتيجة معاً.

وإذا كانت الوزارة تعتبر أن «مدارس الريادة» حققت نتائج إيجابية، فإن تقديم حصيلة دقيقة وشفافة للرأي العام سيكون أفضل جواب على الانتقادات المطروحة. أما إذا كشفت عمليات التقييم عن اختلالات أو محدودية في النتائج، فإن تصحيح المسار يصبح ضرورة، بدل انتظار سنوات أخرى قبل اكتشاف أن المشروع لم يحقق التحول الذي وعد به.

وفي هذا السياق، يجد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، نفسه أمام مسؤولية سياسية كبيرة، خصوصاً أن المرحلة الحالية ترتبط بتنفيذ إصلاحات قدمتها الحكومة للرأي العام باعتبارها مدخلاً لإعادة بناء المدرسة العمومية. والوزير مطالب اليوم بتقديم أجوبة دقيقة حول حصيلة هذه الإصلاحات، وليس فقط استعراض عدد المؤسسات المستفيدة أو البرامج التي تم إطلاقها.

فالأسئلة التي تطرحها نتائج PISA لا تتعلق فقط بالماضي، وإنما بالمستقبل أيضاً. هل تحسن مستوى التلاميذ في المؤسسات التي استفادت من مشروع «مدارس الريادة»؟ وهل يمكن قياس هذا التحسن بشكل مستقل؟ وهل تراجع التعثر في القراءة والرياضيات؟ وما حجم الفارق بين المؤسسات المستفيدة وغير المستفيدة؟ ثم ما هي الكلفة الإجمالية للمشروع مقارنة بالنتائج المحققة؟

وإذا لم تقدم الوزارة أجوبة واضحة عن هذه الأسئلة، فإن الحديث عن إصلاح حقيقي سيظل محاطاً بعلامات استفهام كبيرة.

كما أن نتائج PISA تكشف أن الأزمة لا ترتبط فقط بالمناهج أو طرق التدريس، وإنما تمتد إلى الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر على التحصيل الدراسي. فقد سجل التلاميذ الأكثر يسراً أداء أفضل من نظرائهم الأكثر حرماناً في العلوم بفارق كبير، وهو ما يؤكد أن المدرسة المغربية ما تزال عاجزة عن تقليص أثر الفوارق الاجتماعية على فرص النجاح.

وهنا يصبح إصلاح التعليم مرتبطاً أيضاً بالعدالة الاجتماعية، لأن التلميذ الذي ينتمي إلى أسرة ميسورة يستطيع الاستفادة من الدعم والدروس والوسائل التعليمية خارج المدرسة، بينما يجد التلميذ المنحدر من أسرة فقيرة نفسه معتمداً بشكل شبه كامل على المدرسة العمومية. ولذلك فإن أي إصلاح لا يضع تكافؤ الفرص في صلبه سيكون عاجزاً عن معالجة جوهر الأزمة.

كما أن التراجع المسجل في القراءة يفرض بدوره مراجعة جدية للسياسات المتبعة في السنوات الأخيرة، بعدما أصبح أكثر من ثمانية تلاميذ من أصل عشرة دون المستوى الثاني في هذا المجال. فالقراءة ليست مادة دراسية عادية، وإنما هي المدخل الأساسي لفهم باقي المواد والنجاح في المسار التعليمي برمته.

وإذا كان التلميذ غير قادر على فهم نص مكتوب أو استخراج المعلومات وتحليلها، فمن الصعب أن نتوقع منه نتائج قوية في الرياضيات أو العلوم أو باقي المجالات المعرفية. ولذلك فإن استمرار هذا الضعف بعد سنوات من الإصلاحات يطرح أسئلة جدية حول مدى فعالية السياسات التي تم اعتمادها لمعالجة التعثرات في السنوات الأولى من التعليم.

كما تعيد النتائج إلى الواجهة مشكلة اتساق الإصلاحات وتراكمها. فقد عرفت المدرسة المغربية خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من البرامج والمخططات، وكل مرحلة كانت تأتي بمشروع جديد ووعود جديدة، قبل أن تظهر لاحقاً صعوبات في الاستمرارية والتقييم وربط المسؤولية بالنتائج.

وهنا تحديداً يبرز شبح «البرنامج الاستعجالي»، الذي تحول بعد سنوات من إطلاقه إلى نموذج يستحق الدراسة حول ضرورة ربط الإصلاح بالحكامة والتقييم والنجاعة. ولا يعني ذلك القول إن «مدارس الريادة» تكرر بالضرورة التجربة نفسها، وإنما يعني أن الدولة مطالبة هذه المرة بعدم انتظار سنوات حتى تظهر النتائج السلبية قبل إخضاع البرامج العمومية للمراجعة.

فالتجارب السابقة يجب أن تكون درساً للحاضر، وليس مجرد فصل من الماضي.

والمطلوب اليوم ليس إسقاط مشروع «مدارس الريادة» أو التشكيك في كل ما تقوم به الوزارة، وإنما إخضاعه لمنطق بسيط في تدبير السياسات العمومية: أهداف واضحة، كلفة معلومة، نتائج قابلة للقياس، تقييم مستقل، ومساءلة عند وجود اختلالات.

أما الاستمرار في تقديم المشاريع التعليمية باعتبارها نجاحات بمجرد إطلاقها، دون نشر نتائج مستقلة وقابلة للتحقق، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمة.

إن نتيجة المغرب في PISA 2025، باحتلاله المرتبة 83 من أصل 91، يجب أن تكون لحظة مراجعة حقيقية وليست مناسبة لتبادل الاتهامات بين الحكومات والفاعلين التربويين. غير أن المراجعة لا يمكن أن تكون جدية من دون فتح الملفات الكبرى التي تنفذها الوزارة، وفي مقدمتها «مدارس الريادة»، والوقوف على حقيقة ما أنفق عليها وما حققته على أرض الواقع.

لقد حان الوقت لكي يصبح السؤال المركزي في إصلاح التعليم المغربي واضحاً: ليس كم مدرسة أطلقنا، ولا كم برنامجاً أعلنّا، وإنما ماذا تعلم الطفل المغربي فعلياً؟

فإذا كانت «مدارس الريادة» قد نجحت، فلتظهر النتائج بالأرقام. وإذا كانت تحتاج إلى تصحيح، فليتم تصحيحها. وإذا كشف الافتحاص عن اختلالات في التدبير أو صرف المال العام، فيجب أن تتحمل كل جهة مسؤوليتها وفق القانون.

أما أن تستمر الدولة في الإنفاق، وتستمر الوزارة في إطلاق البرامج، ثم تأتي التقارير الدولية لتضع المغرب في المرتبة 83، فذلك يعني أن هناك خللاً يجب التوقف عنده بجدية.

المغرب لا يحتاج إلى برنامج تعليمي جديد بقدر ما يحتاج إلى تقييم صريح للبرامج الموجودة. ولا يحتاج إلى شعارات جديدة حول «مدرسة الجودة»، بقدر ما يحتاج إلى مدرسة يستطيع تلميذها أن يقرأ ويفهم ويحسب ويحلل.

والمرتبة 83 ليست مجرد رقم في تقرير دولي؛ إنها رسالة قوية إلى الحكومة والوزارة وكل المسؤولين عن التعليم بأن زمن الاكتفاء بإعلان الإصلاحات يجب أن ينتهي، وأن زمن كشف الحساب والنتائج والمساءلة قد حان.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه الوزير برادة بوضوح: هل ستبادر الوزارة إلى نشر الكلفة الحقيقية لـ«مدارس الريادة» ونتائج تقييمها، وفتح افتحاص مستقل حول المشروع، حتى لا يستيقظ المغاربة بعد سنوات على «برنامج استعجالي» جديد بأسماء مختلفة ونتائج متشابهة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى