الجلسة التشريعية لتقديم البرنامج الحكومي تضع المنصوري أمام أول اختبار برلماني.. معارضة شرسة وحكومة أمام امتحان الإنجاز

يدخل المشهد السياسي المغربي، يوم الاثنين 19 أكتوبر الجاري، مرحلة جديدة مع انعقاد أول جلسة برلمانية مشتركة لتقديم البرنامج الحكومي الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري، في محطة دستورية تتجاوز طابعها الإجرائي لتضع الحكومة الجديدة أمام أول امتحان سياسي حقيقي، عنوانه القدرة على إقناع البرلمان بجدوى اختياراتها، وتقديم أجوبة واضحة عن الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتظر المعالجة.
وتنعقد الجلسة ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال بقاعة الجلسات بمجلس النواب، طبقا لأحكام الفصل الثامن والثمانين من الدستور ومقتضيات النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان، وفق بلاغ مشترك لرئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين. وبذلك، ينتقل مسار تشكيل الحكومة من مرحلة توزيع المسؤوليات وترتيب هياكل المؤسسات إلى مرحلة عرض التوجهات والالتزامات أمام ممثلي الأمة، تمهيدا للمناقشة البرلمانية والتصويت على منح الثقة من طرف مجلس النواب.
وتكتسي هذه الجلسة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد استكمال هياكل مجلس النواب وتشكيل الحكومة الجديدة، بما يجعلها بداية فعلية لاختبار العلاقة بين الجهاز التنفيذي والمؤسسة التشريعية، ومدى قدرة الأغلبية على التحول من تحالف تشكل في سياق المفاوضات السياسية إلى كتلة منسجمة قادرة على الدفاع عن برنامج حكومي واضح ومحدد الأولويات.
المنصوري أمام مفترق سياسي.. من رمزية التعيين إلى مسؤولية الإنجاز
تجد فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام مفترق سياسي دقيق. فبعد محطة التعيين وتشكيل الحكومة، لم يعد الرهان مرتبطا بالتركيبة البشرية أو بتوزيع الحقائب بين الأحزاب، بل بمدى قدرة الفريق الحكومي على تقديم مشروع متكامل لتدبير المرحلة، يحظى بالقبول البرلماني ويستجيب لانتظارات المواطنين.
وتدخل المنصوري هذه المرحلة وهي مطالبة بإثبات أن انتقالها إلى رئاسة الحكومة ليس مجرد تحول في قيادة المشهد الحزبي، بل بداية لأسلوب جديد في إدارة العمل التنفيذي، قائم على وضوح الأولويات، وتحديد المسؤوليات، والقدرة على التنسيق بين القطاعات الوزارية.
غير أن الاختبار لن يكون سهلا. فالحكومة تواجه ملفات متراكمة في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، فضلا عن تحديات الاستثمار والإدارة والحماية الاجتماعية. وهذه الملفات لا تسمح بالاكتفاء بالوعود العامة أو بتقديم تشخيص جديد للمشكلات، بل تفرض تحديد إجراءات عملية وآجال للتنفيذ ومؤشرات تسمح بقياس النتائج.
كما أن رئاسة الحكومة تضع المنصوري في قلب المسؤولية السياسية عن أداء الأغلبية، حتى عندما تتوزع الاختصاصات بين وزراء ينتمون إلى أحزاب مختلفة. وسيكون عليها ضمان الانسجام بين مكونات الحكومة، ومنع الخلافات الحزبية من التحول إلى عائق أمام تنفيذ البرنامج.
حكومة بتركيبة متوسطة.. هل تكفي التوازنات الحزبية لصناعة الانسجام؟
تثير التشكيلة الحكومية الجديدة نقاشا حول مدى قدرتها على الجمع بين التوازنات السياسية ومتطلبات الكفاءة والنجاعة. فالحكومة التي تضم أحزابا متعددة لا تواجه فقط تحدي توزيع المسؤوليات، بل تحتاج أيضا إلى بناء رؤية مشتركة تتجاوز الحسابات التنظيمية، وتمنح كل قطاع أهدافا واضحة ضمن برنامج متكامل.
ومن زاوية تحليلية، يمكن وصف هذه الحكومة بأنها تدخل مرحلة اختبار حقيقي لقدرتها على تحويل التوازنات الحزبية إلى قوة تنفيذية. أما الحكم على مستواها الفعلي، فلا يمكن أن يستند إلى الانطباعات بشأن الأسماء أو الحقائب وحدها، بل ينبغي أن يرتبط بالمؤهلات والخبرة، وبمدى وضوح البرنامج الحكومي، ثم بالنتائج التي ستتحقق على أرض الواقع.
فالحكومة لا تصبح قوية بمجرد اتساع أغلبيتها، كما لا تثبت محدودية أدائها بمجرد وجود وزراء جدد أو استمرار آخرين في مواقعهم. المعيار هو قدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة، وتنسيق السياسات العمومية، وتحويل الموارد المتاحة إلى خدمات وفرص اقتصادية يستفيد منها المواطنون.
وتجد المنصوري نفسها أمام ضرورة تقديم فريق حكومي منسجم، لا مجرد مجموعة من الوزراء الذين يتقاسمون المسؤوليات وفق تفاهمات سياسية. فالمرحلة المقبلة تتطلب وضوحا في توزيع الاختصاصات، وتنسيقا فعليا بين الوزارات، ومحاسبة على النتائج، خصوصا في القطاعات التي يرتبط أداؤها مباشرة بالحياة اليومية للمغاربة.
معارضة شرسة.. البرلمان لن يكون مجرد محطة للمصادقة
في المقابل، ينتظر الحكومة مشهد برلماني لا يخلو من التحديات، في ظل انتقال عدد من الأحزاب إلى موقع المعارضة، وما يرافق ذلك من إعادة ترتيب للأدوار داخل مجلس النواب.
وتواجه الأغلبية الجديدة مسؤولية الدفاع عن برنامجها أمام معارضة تضم أحزابا تمتلك تجارب حكومية وبرلمانية، من بينها التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية، إلى جانب مكونات من اليسار. ومن شأن هذا التعدد أن يفتح المجال أمام مساءلة سياسية تتناول حصيلة الحكومات السابقة، والوعود الانتخابية، والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي ستقترحها الحكومة الجديدة.
وستكون قوة المعارضة مرتبطة بقدرتها على الانتقال من الاعتراض السياسي العام إلى ممارسة رقابية مبنية على الأرقام والوثائق والبدائل التشريعية. فالمعارضة الفعالة لا تكتفي بتسجيل المواقف، بل تضع الحكومة أمام أسئلة محددة، وتختبر مدى تماسك برنامجها، وتكشف التناقضات المحتملة بين الوعود والموارد والقدرة على التنفيذ.
أما الحكومة، فستكون مطالبة بالتعامل مع هذه الرقابة باعتبارها جزءا من التوازن الديمقراطي، لا مجرد مواجهة حزبية. وستكشف المناقشة المرتقبة عن مدى استعدادها لتقديم أجوبة دقيقة بشأن تمويل التزاماتها، وترتيب أولوياتها، والآليات التي ستعتمدها لتقييم أداء الوزراء.
ولا يعني وصف المعارضة بالشرسة أن المواجهة محسومة النتائج، بل إن طبيعة التنافس البرلماني ستتحدد وفق مواقف الفرق، ومضمون البرنامج الحكومي، ومدى قدرة كل طرف على بناء حججه وتقديم البدائل.
البرنامج الحكومي.. امتحان الأرقام والالتزامات
تشكل الجلسة المشتركة فرصة أولى لمعرفة ما إذا كانت الحكومة ستقدم برنامجا قائما على أهداف قابلة للقياس، أم ستكتفي بإعادة عرض عناوين عامة تتكرر في الخطاب السياسي.
ففي مجال التشغيل، ينتظر أن تتضح الإجراءات التي ستعتمدها الحكومة لتوسيع فرص الشغل وتحسين إدماج الشباب في سوق العمل. وفي الصحة، سيكون السؤال مرتبطا بقدرة الإصلاحات على تحسين الولوج إلى العلاج، وتقوية الموارد البشرية، والحد من الفوارق بين المدن والمناطق القروية. أما التعليم، فسيظل محورا مركزيا لأي تقييم للبرنامج الحكومي، بالنظر إلى ارتباطه بتكافؤ الفرص وجودة التكوين ومستقبل الأجيال الصاعدة.
وتبرز كذلك قضايا الاستثمار والإدارة والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية، وهي ملفات تتطلب انسجاما بين السياسة المالية والاختيارات القطاعية. فالإعلان عن مشاريع جديدة لا يكفي ما لم يقترن بتحديد مصادر التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ، والجهات المسؤولة عن الإنجاز.
ومن هنا، فإن القيمة السياسية للبرنامج الحكومي لن تتحدد بطول العرض أو عدد التعهدات الواردة فيه، بل بمدى قدرته على تقديم أجوبة واضحة عن الأسئلة التي تهم المواطنين، وتحديد ما يمكن إنجازه في المدى القريب وما يحتاج إلى إصلاحات تدريجية.
من استكمال الهياكل إلى اختبار المؤسسات
يأتي تقديم البرنامج الحكومي بعد استكمال هياكل مجلس النواب وتشكيل الحكومة، بما يضع المؤسسات الدستورية أمام مرحلة جديدة من العمل. فالمؤسسة التشريعية ليست فضاء للمصادقة الشكلية، والحكومة ليست جهازا إداريا يكتفي بتدبير الملفات اليومية، بل إن العلاقة بينهما يفترض أن تقوم على التفاعل والرقابة وتحديد المسؤوليات.
وتحمل الجلسة المشتركة دلالة مؤسساتية أيضا، لأنها تجمع مجلسي البرلمان في محطة دستورية واحدة، قبل الانتقال إلى مناقشة البرنامج الحكومي والتصويت على الثقة داخل مجلس النواب وفق المسطرة الدستورية.
وسيكون على الأغلبية أن تثبت قدرتها على الدفاع عن اختيارات الحكومة وتوفير الدعم البرلماني اللازم، فيما ستكون المعارضة مطالبة بممارسة دورها الرقابي بفعالية. وبين الطرفين، يبقى المواطن هو المعني الأول بما ستسفر عنه هذه المرحلة، لأن القيمة الحقيقية للعمل المؤسساتي تظهر في جودة القرارات العمومية ومدى انعكاسها على حياة الناس.
المنصوري أمام لحظة الحسم السياسي
لا تمثل جلسة الاثنين مجرد موعد دستوري لتقديم البرنامج الحكومي، بل بداية مرحلة ستُختبر فيها قدرة فاطمة الزهراء المنصوري على الانتقال من قيادة التشكيلة الحكومية إلى قيادة فعلية للعمل التنفيذي، في ظل أغلبية متعددة الأحزاب ومعارضة تستعد لفرض حضورها داخل البرلمان.
فالمنصوري أمام مفترق واضح: إما أن تنجح في تحويل التوافقات التي أفضت إلى تشكيل الحكومة إلى مشروع متماسك يحدد الأولويات ويقيس النتائج، وإما أن تجد نفسها أمام صعوبات التنسيق وتضارب الحسابات الحزبية، بما قد يضعف قدرة الجهاز التنفيذي على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
ولن يكون التصويت على الثقة نهاية الاختبار، بل بدايته. فالحصول على الدعم البرلماني يمنح الحكومة الشرعية اللازمة لمباشرة عملها، لكنه لا يعفيها من الرقابة السياسية ولا يضمن لها النجاح في تدبير الملفات المعقدة.
إن أول مواجهة بين الحكومة الجديدة والبرلمان ستحدد ملامح العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، لكنها ستكشف أيضا مستوى الجدية في تقديم الالتزامات الحكومية. وفي نهاية المطاف، لن تكون قوة حكومة المنصوري في عدد أحزابها أو حجم تمثيلها البرلماني وحده، بل في قدرتها على الإنجاز، ووضوح اختياراتها، واستعدادها للمساءلة، ومدى نجاحها في تحويل البرنامج الحكومي من وثيقة سياسية إلى نتائج ملموسة.






