الإصلاح الانتخابي القادم: قطع الريع السياسي وإنهاء تعدد المناصب ضرورة لا بد منه

مع اقتراب الانتخابات المقبلة، يظهر بوضوح أن المغرب أمام فرصة تاريخية لإصلاح العملية الانتخابية، وقطع كل أشكال الريع السياسي التي شوهت الديمقراطية لعقود. ما نشهده اليوم من محاولات بعض الأحزاب رفع كوتا النساء أو تخصيص مقاعد للشباب أو إضافة مقاعد برلمانية جديدة، ليس سوى محاولة شكلية لتجميل الصورة الحزبية وإخفاء العجز عن دفع الفئات المستهدفة لتقلد مواقع القرار السياسي بكفاءة وجرأة. الكوتا الزائفة تجعل النساء والشباب مجرد واجهة، وتحوّل المناصفة إلى تمييز مضاد يضعهم في خانة المظلومية بدل الكفاءة الحقيقية والمشاركة الفعلية. المناصفة الحقيقية تتحقق عبر إرادة سياسية فعلية لدفع النساء والشباب إلى اللوائح العادية وتمكينهم من مواقع القيادة وصنع القرار، وليس عبر مقاعد إضافية تزيّن العملية الانتخابية على الورق فقط.
ولا يقتصر الخلل على الكوتا، فالجمع بين المناصب يمثل أحد أكبر التحديات أمام الديمقراطية. حين يسمح القانون للوزراء و للبرلمانيين بتولي مناصب جماعية ترابية أو الجمع بين أكثر من منصب، تتحول المؤسسات المنتخبة إلى ملعب للمصالح الشخصية، ويُستبعد المواطن العادي عن القرار، بينما تتراجع فعالية البرلمان والجماعات الترابية على حد سواء. في هذا السياق، يجب أن يكون منع الوزراء و البرلمانيين من تعدد المناصب و تولي رئاسة الجماعات الترابية جزءًا من الإصلاح الحقيقي الانتخابي القادم، وأن يُقطع نهائيًا مع تعدد المناصب الذي يكرّس الريع السياسي ويقوّض الشفافية ويعطل المحاسبة.
الإصلاح الانتخابي القادم يجب أن يركز على قطع الريع السياسي بشكل كامل، ومنع تعدد المناصب، وتمكين النساء والشباب من المشاركة الحقيقية في اللوائح العادية، بعيدًا عن أي امتياز شكلي أو شعارات رنانة. القوانين الجديدة يجب أن تفرض تمثيلاً عادلاً لجميع المواطنين، وتضع ضوابط صارمة تمنع تراكم المسؤوليات وتداخل السلطة التنفيذية مع التسيير الترابي، وتعيد الثقة إلى المواطنين في العملية الديمقراطية.
أي استمرار في الكوتا الزائفة، أو السماح بتعدد المناصب، أو تولي الوزراء رئاسة الجماعات هو هجوم مباشر على الديمقراطية والمواطنين على حد سواء. الإصلاح الحقيقي يجب أن يؤسس لممارسة سياسية عادلة وشفافة، تعكس القدرة والكفاءة، وتمنح الفئات المستهدفة الفرصة الحقيقية لتقلد مواقع القرار السياسي والمشاركة في صنع السياسات العامة، بدل أن تتحول العملية الانتخابية إلى مجرد مسرحية حزبية بلا مضمون.
المغرب اليوم بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية تؤكد أن الانتخابات منصة للتمكين وصنع القرار، لا أداة لتجميل صورة الأحزاب أو لتعزيز الريع السياسي. الكوتا الزائفة، وتعدد المناصب، وتداخل المسؤوليات بين الحكومة والجماعات الترابية ليست إصلاحًا، بل جريمة ضد الديمقراطية والمواطنين، ويجب مواجهتها قبل أن تتحول العملية الانتخابية بالكامل إلى مجرد استعراض سياسي بلا محتوى.






