أيت طالب.. وزير بصم بإصلاحات كبرى في قطاع الصحة، قبل أن يُقصيه أخنوش ويأتي بوزير على مقاس “الهولدينغ”

لم يكد يمضي وقت طويل على إزاحة البروفيسور خالد أيت طالب من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، حتى بدأت ملامح التراجع تتضح في مختلف المرافق الصحية، حيث غاب الإصلاح وحضرت الارتجالية، وغلب منطق الصفقات والقرابة الحزبية على منطق الكفاءة وخدمة المرفق العمومي.
أيت طالب، الطبيب الجراح القادم من الجامعة، ترك بصمة لا يمكن إنكارها في قطاع الصحة. فقد تمكن خلال فترة توليه المسؤولية من تدبير أزمة جائحة كورونا بكفاءة عالية، في وقت كان فيه العالم بأسره يعيش حالة ارتباك وخوف. المغرب، بشهادة منظمة الصحة العالمية، كان من الدول السباقة إلى توفير اللقاحات وتنظيم عملية التلقيح الوطنية في ظروف محكمة، بفضل قيادة جلالة الملك وتفاني أيت طالب وفريقه.
إلى جانب ذلك، أطلق أيت طالب إصلاحاً هيكلياً غير مسبوق للمنظومة الصحية، همَّ إعادة تأهيل أكثر من 1400 مركز صحي عبر ربوع المملكة، وبناء مستشفيات إقليمية جديدة، والشروع في استكمال أوراش المراكز الاستشفائية الجامعية المتبقية. وقد أشرف بنفسه على فتح المركز الاستشفائي الجامعي بطنجة، وكان على وشك فتح المركز الاستشفائي الجامعي أكادير بعد انتهاء الأشغال، في خطوة وُصفت حينها بأنها ستغيّر وجه العرض الصحي بالجهة.
كما نجح أيت طالب في إخماد نيران الاحتجاجات النقابية التي اندلعت في القطاع، واستطاع ببراغماتيته أن يمتص غضب الشغيلة الصحية، رغم تزامن تلك الاحتجاجات مع أزمة أسرة التعليم، ليُثبت أن الحوار الجاد والقرارات الملموسة قادرة على حفظ الاستقرار الاجتماعي داخل القطاعات الحيوية.
لكن هذه الإنجازات لم تشفع له أمام رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي فضّل إبعاده، لا لضعف حصيلته، بل لأنه لم يقبل أن يتحول إلى منفذ أوامر على شاكلة موظف صغير داخل “الهولدينغ الحكومي”. وهكذا تم استقدام أمين التهراوي، القادم من شركة زوجة أخنوش، ليكون وزيراً على المقاس، خاضعاً للتعليمات أكثر من اهتمامه بإصلاح القطاع.
منذ تعيينه، ظل التهراوي حبيس مكتبه، قبل أن يستيقظ تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، ليبدأ جولة متأخرة على بعض المستشفيات التي تعيش أوضاعاً مزرية. لكن خرجاته لم تقنع الشارع ولا النقابات، التي ترى أن غياب رؤية واضحة وهيمنة منطق الزبونية في التعيينات والصفقات، يعمق أزمات القطاع بدل معالجتها.
أمام هذا الوضع، عاد المواطنون إلى رفع أصواتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مناشدين جلالة الملك بتحويل وزارة الصحة إلى حقيبة سيادية مثل الداخلية والخارجية، حماية للحق الدستوري في العلاج، بعدما تحولت الوزارة في نظرهم إلى غنيمة حزبية لا تخدم سوى مصالح لوبيات المال والخواص.
لقد أثبتت تجربة أيت طالب أن القطاع الصحي يمكن إصلاحه حين تتوفر الإرادة والكفاءة، وأن المغرب كان يسير في مسار تصاعدي واضح، لكن ما حدث بعد ذلك يطرح سؤالاً ثقيلاً: هل كانت إزاحته قراراً صائباً، أم بداية العودة إلى منطق المحسوبية الذي يلتهم كل إصلاح؟






