أثرياء المغرب في لائحة “فوربس 2026”… استمرار الوجوه نفسها يثير أسئلة الثروة والنفوذ وتداخل السياسة بالمال

عادت أسماء رجال الأعمال المغاربة البارزين لتتكرر من جديد في تصنيف مجلة Forbes العالمي لأثرياء العالم لسنة 2026، حيث حافظ كل من عثمان بنجلون و**عزيز أخنوش** و**أنس الصفريوي** على حضورهم في القائمة، في مشهد يعكس استمرار هيمنة نفس الأسماء على خارطة الثروة في المغرب لسنوات طويلة، وسط نقاش متجدد حول طبيعة تركز الثروة والعلاقات المتشابكة بين عالم الأعمال والسلطة الاقتصادية.
وبحسب التصنيف الجديد للمجلة الأمريكية الشهيرة، تمكن رجل الأعمال المخضرم عثمان بنجلون، البالغ من العمر 93 سنة، من الحفاظ للسنة العاشرة على التوالي على لقب أغنى رجل في المغرب، حيث حل في المرتبة 2386 عالمياً والمرتبة 18 على الصعيد الإفريقي، بثروة ارتفعت من 1.6 مليار دولار إلى نحو 1.7 مليار دولار.
ويُعد بنجلون من أبرز المستثمرين المغاربة في عالم المال والأعمال منذ عقود، حيث ارتبط اسمه بقطاع الأبناك والتأمينات والاستثمارات الكبرى، كما يمتد حضوره إلى مجالات الاتصالات والطيران والاستثمار الدولي، ويُنظر إليه داخل الأوساط الاقتصادية كرجل أعمال راكم ثروته عبر مسار طويل في عالم الاستثمار دون أن تطارده شبهات أو جدل سياسي كبير، مقارنة ببعض الأسماء الأخرى.
أخنوش… بين رئاسة الحكومة وإمبراطورية الأعمال
في المرتبة الثانية ضمن أثرياء المغرب جاء عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المغربية، الذي احتل المرتبة 2481 عالمياً والمرتبة 19 إفريقياً بثروة بلغت 1.6 مليار دولار.
ورغم أن ثروته كانت قد تراجعت في السنوات الماضية من 1.7 مليار دولار سنة 2024 إلى 1.5 مليار دولار سنة 2025، فإنها عادت للارتفاع مجدداً في تصنيف 2026.
غير أن حضور أخنوش ضمن قائمة الأثرياء يظل موضوع نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، خاصة بعد توليه رئاسة الحكومة، حيث لاحقته انتقادات مرتبطة بما يسمى “تضارب المصالح”، نظراً لكونه من أبرز رجال الأعمال في قطاع المحروقات بالمغرب.
فالمجموعة الاقتصادية التي يقودها تُعد من الفاعلين الكبار في سوق توزيع الوقود والطاقة، كما تمتد استثماراتها إلى قطاعات متعددة تشمل الأسواق التجارية والأنشطة الفلاحية والخدمات. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن المجموعة تسعى أيضاً إلى دخول مجالات جديدة واعدة، من بينها سوق الطاقات النظيفة والهيدروجين الأخضر، الذي أصبح من أبرز المشاريع الاستراتيجية المستقبلية في المغرب.
ويطرح هذا التداخل بين السياسة والاقتصاد أسئلة متكررة داخل النقاش العمومي حول حدود الجمع بين المسؤولية الحكومية وإدارة إمبراطوريات اقتصادية ضخمة، خصوصاً في قطاعات حساسة مثل الطاقة والأسواق الاستهلاكية.
الصفريوي… ثروة العقار والعلاقات العائلية
أما رجل الأعمال أنس الصفريوي، فقد جاء في المرتبة الثالثة بين أثرياء المغرب، محتلاً المرتبة 2858 عالمياً والمرتبة 22 إفريقياً، بثروة تراجعت من 1.6 مليار دولار السنة الماضية إلى 1.3 مليار دولار هذا العام.
ويُعرف الصفريوي في الأوساط الاقتصادية بكونه أحد أبرز الفاعلين في قطاع العقار بالمغرب، حيث بنى جزءاً كبيراً من ثروته عبر مشاريع السكن الاقتصادي، التي شكلت لعقود أحد أكبر برامج البناء في البلاد.
كما صعدت استثمارات الصفريوي سابقا في قطاع مناجم الغسول، قبل أن يتجه في السنوات الأخيرة إلى توسيع نشاطه نحو مشاريع السكن الفاخر والعقار الراقي.
غير أن اسم الصفريوي عاد إلى الواجهة في السنوات الأخيرة بسبب العلاقات العائلية التي جمعته بدائرة رجال الأعمال المقربين من السلطة الاقتصادية، خاصة بعد المصاهرة التي ربطت عائلته بعائلة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، حيث تزوج نجله من ابنة أخنوش، في علاقة تجمع بين المصاهرة والمال والأعمال.
كما تشير معطيات اقتصادية إلى أن عائلة الصفريوي تسعى إلى توسيع استثماراتها في قطاعات جديدة من بينها قطاع الأدوية، ما يعكس اتجاهاً متنامياً لدى كبار رجال الأعمال المغاربة لتنويع استثماراتهم خارج القطاعات التقليدية.
نفس الأسماء… ونفس النفوذ
تكرار الأسماء نفسها في قائمة أثرياء المغرب عاماً بعد آخر يعكس، بحسب محللين اقتصاديين، طبيعة بنية الاقتصاد الوطني التي ما تزال تهيمن عليها مجموعات مالية محدودة تمتلك نفوذاً واسعاً في قطاعات متعددة.
ويرى مراقبون أن استمرار نفس النخب الاقتصادية في تصدر المشهد المالي يطرح أسئلة حول دينامية الثروة في المغرب، ومدى قدرة الاقتصاد على خلق جيل جديد من المستثمرين القادرين على منافسة هذه الإمبراطوريات الاقتصادية الراسخة.
كما أن تداخل العلاقات العائلية والاقتصادية بين بعض الفاعلين يضيف بعداً آخر للنقاش حول بنية الرأسمالية المغربية، التي توصف أحياناً بأنها “رأسمالية شبكات”، حيث تتقاطع المصالح المالية مع العلاقات الاجتماعية والسياسية.
ثورة التكنولوجيا تعيد رسم خريطة الثروة العالمية
على الصعيد الدولي، حافظ الملياردير الأمريكي إيلون ماسك على صدارة قائمة أثرياء العالم بثروة قياسية بلغت 839 مليار دولار، بفارق كبير عن أقرب منافسيه.
وجاء في المركزين الثاني والثالث رائدا التكنولوجيا لاري بيج و**سيرجي برين** بثروتين بلغت قيمتهما 257 مليار دولار و237 مليار دولار على التوالي، في مؤشر واضح على هيمنة قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة.
وبحسب معطيات المجلة، بلغ عدد مليارديرات العالم في تصنيف 2026 ما مجموعه 3428 مليارديراً، بزيادة تقارب 400 شخص مقارنة بسنة 2025، بينما ارتفعت القيمة الإجمالية لثرواتهم إلى 20.1 تريليون دولار، بزيادة قدرها أربعة تريليونات دولار خلال عام واحد فقط.
وتظل الولايات المتحدة في صدارة الدول من حيث عدد المليارديرات، إذ تضم 989 مليارديراً، من بينهم 15 ضمن أغنى 20 شخصاً في العالم، تليها الصين بما فيها هونغ كونغ بـ610 مليارديرات، ثم الهند بـ229 مليارديراً.
بين النجاح الاقتصادي والجدل السياسي
وفي المغرب، يعكس حضور هذه الأسماء الثلاثة في قائمة أثرياء العالم مزيجاً معقداً من النجاح الاقتصادي والجدل السياسي. فبين رجل أعمال مخضرم مثل عثمان بنجلون، وإمبراطور طاقة تحول إلى رئيس حكومة مثل عزيز أخنوش، ومطور عقاري صعد بسرعة مثل أنس الصفريوي، تتجسد صورة اقتصاد تتحكم فيه شبكات المال والنفوذ والعلاقات.
ويبقى السؤال المطروح في نهاية المطاف: هل ستظل خريطة الثروة في المغرب حكراً على الأسماء نفسها لعقود طويلة، أم أن التحولات الاقتصادية العالمية — من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقات الخضراء — ستفتح الباب أمام جيل جديد من رجال الأعمال يعيد رسم ملامح الاقتصاد المغربي في المستقبل؟






