وزارة الصحة: “صفقات التهراوي” تُشعل فتيل صراع المصالح.. ساسة يقتنصون “الريع” على حساب الشفافية!

في دوامة جديدة من الجدل الذي يضرب قلب تدبير الصفقات العمومية، تجد وزارة الصحة، برئاسة الوزير أمين التهراوي، نفسها في مرمى النيران بعد قرارها المفاجئ بإلغاء عقود خدمات الحراسة والنظافة والإطعام، وتمهيد الطريق لصفقات جديدة تثير شبهات عميقة حول “تفصيل” شروطها على مقاس شركات بعينها. هذه الخطوة، وإن قُدمت كـ”إصلاح”، تبدو في حقيقتها إعادة توزيع لـ”الكعكة” تُهدد بتقويض مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، وتُفضح نهم بعض البرلمانيين الذين حولوا مواقعهم التشريعية إلى بوابات لـ”الريع” الاقتصادي.
لم تتردد النائبة البرلمانية نادية التهامي، عن فريق التقدم والاشتراكية، في كشف المستور، مُسلطة الضوء على الكفاءات المالية الخرافية التي باتت شرطًا لدخول السباق على صفقات الوزارة. اشتراطات مثل التوفر على شهادة “إيزو” إلى جانب إنجاز صفقات سابقة لا تقل عن 3 ملايين درهم، ورقم معاملات يفوق 2 مليار سنتيم، وسيولة مالية لا تقل عن 600 مليون سنتيم، ليست سوى “فلاتر” مصممة بعناية فائقة لإقصاء المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تُعد عصب الاقتصاد الوطني، وحصر المنافسة على حفنة من الشركات الكبرى.
الساسة و البرلمانيون “المقاولون”: تحويل المنصب التشريعي إلى “مطعم” ريعي!
لكن المثير للقلق، والذي يجب أن يفطن له الوزير التهراوي ويقطع دابره بحزم، هو تسلل بعض الساسة و البرلمانيين “المقاولين” الذين بات همهم الأوحد هو كيفية التقرب من الوزير والفوز بالصفقات خارج نطاق الشفافية. هؤلاء “الساسة”، الذين يستغلون مناصبهم التشريعية كأداة للوصول إلى مبتغاهم الشخصي، حولوا قبة البرلمان من منبر للترافع والتشريع إلى “مطعم” لـ”توزيعة” الصفقات والمشاريع. هم لا يهمهم مصلحة المواطن، ولا التنمية الصحية، بل همهم الأكبر هو تعظيم ثرواتهم الشخصية واستغلال الحزب الذي ينتمون إليه كـ”مطية” للوصول إلى هذا الهدف المقيت.
هذا النزوع المقيت نحو “الريع” ليس فقط يفسد المنافسة الشريفة ويهدر المال العام، بل يضرب في الصميم مصداقية المؤسسة التشريعية نفسها، ويُعمق الفجوة بين المواطن والسياسي. فبينما يُطالب المواطن بتحسين الخدمات الصحية وتكافؤ الفرص، ينشغل بعض ممثليه بـ”صفقات الحراسة والنظافة والإطعام” لاقتناص أكبر حصة ممكنة من الكعكة.
إن تحويل هذه الصفقات من المستوى الإقليمي إلى الجهوي و الأهم كان يجب تنزيله حتى يتم تنزيل أولا مجموعات الصحة الترابية و تحصينها بالقوانين، والذي تُبرره الوزارة غالبًا بـ”اللامركزية” أو “النجاعة”، هو في حقيقته يُخفي شبهات قوية برفع كلفتها وتوسيع نطاقها، مما يتطلب موارد إضافية للمراقبة والتتبع الإداري والمالي. هذا التحول ليس بريئًا، بل هو أشبه بـ”طبخة” أعدت بعناية، لـ”تفصيل” دفاتر تحملات على مقاس شركات بعينها، قد تكون مملوكة لبرلمانيين نافذين أو مقربين من دوائر القرار. إنه يفتح الباب أمام شبهات المحاباة وتوجيه المال العام لخدمة “لوبيات” أو أجندات انتخابية قادمة.
على الوزير التهراوي أن يفطن لهذه اللعبة الخطيرة. فالمسؤولية الملقاة على عاتقه تتجاوز مجرد إدارة قطاع، بل تتعداه إلى حماية المال العام ومواجهة الفساد الذي قد يتغلغل عبر أبواب الصفقات العمومية. إن قطع دابر هؤلاء “الساسة” الذين يستغلون مناصبهم من أجل مصالحهم الشخصية، ويحولون الحزب إلى أداة لتحقيق مبتغاهم المادي، هو واجب وطني وأخلاقي،و باتت مدونة الإنتخابات ان تكون في المستقبل صارمة فلا صفقات لبرلماني يتوفر على مقاولة.
يجب على الوزير أن يُعلن بوضوح عن الأسباب الحقيقية وراء إلغاء العقود السابقة، وعن آليات تعويض المقاولات المتضررة. الأهم من ذلك، أن يتخذ تدابير صارمة لضمان تكافؤ الفرص والشفافية التامة في ولوج المقاولات إلى الصفقات العمومية، دون تمييز أو محاباة. فالمغرب اليوم أحوج ما يكون إلى إصلاحات حقيقية تُعلي من قيم النزاهة والشفافية، لا إلى صفقات تُطعم جيوبًا وتُقصي كفاءات.





