قضايا

متاريس الفوضى.. ملثمون يقطعون الطرق ويبتزون المواطنين في منتجعات الصيف

في الوقت الذي تستعد فيه العائلات المغربية لاصطياف هادئ بالوديان والسدود والشواطئ، تطفو على السطح ظاهرة خطيرة باتت تُهدد أمن المواطنين وسلامتهم، وهي تحول بعض المواقع السياحية الطبيعية إلى “معسكرات ابتزاز”، تقودها عناصر مجهولة الهوية، تمارس سلطة موازية دون وجه حق، في ظل تراخٍ واضح من الجهات المسؤولة.

أشرطة فيديو انتشرت مؤخراً كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، كشفت عن ملثمين مسلحين بالعصي والحجارة والحديد، عمدوا إلى وضع حواجز على الطريق المؤدي إلى منطقة “عين الوالي” السياحية ضواحي مدينة فاس، حيث قاموا بقطع الطريق العمومية وفرض إتاوات بالقوة على الزوار، خصوصاً مستعملي السيارات و الدراجات النارية، في مشهد يُعيد إلى الأذهان أساليب العصابات وليس تصرفات عادية في دولة الحق والقانون.

ظاهرة قطع الطرق ليست جديدة، لكنها تتكاثف بشكل مقلق مع بداية الصيف، مستهدفة المناطق الطبيعية التي تعرف إقبالاً جماهيرياً كبيراً، مثل ضفاف الأنهار والوديان والسدود، والشواطئ والينابيع، حيث يجد بعض المتربصين الفرصة لفرض “قانون الغاب”، وتحويل المجال العام إلى “ملك خاص”، يمنع الدخول إليه إلا بأداء إتاوة.

الأساليب تتنوع: متاريس من الحجارة، أعمدة حديدية، سلاسل، وتجمعات من الشباب الملثمين، بل في بعض الحالات يتم تهديد الزوار أو مطاردتهم، في غياب تام لمظاهر السلطة أو الأمن، ما يُشجع على تكرار الظاهرة وتحولها إلى نمط موسمي للفوضى والتسيب.

قطع الطريق العام، ووضع حواجز دون ترخيص، وفرض إتاوات بالقوة، كلها أفعال تُصنف ضمن الجنح أو الجرائم حسب طبيعة العنف والتهديد الممارس، بل قد ترقى إلى تكوين عصابة إجرامية، وفق القانون الجنائي المغربي.

ووفق الفصل 591 من القانون الجنائي، فإن كل من وضع في الطريق العمومي عقبة تعرقل المرور أو تسبب الأذى، دون ترخيص من الجهات المختصة، يُعاقب بالحبس والغرامة، مع تشديد العقوبة إذا نتج عن ذلك عنف أو ابتزاز.

هنا تُطرح الأسئلة الحارقة:
أين الدرك الملكي باعتباره المخول بالضابطة القضائية؟
لماذا لا يتم التدخل إلا بعد انتشار الفيديوهات؟
أليس من واجب السلطات المحلية الاستباق والتنبيه إلى هذه البؤر الموسمية للفوضى؟

فعلاً، بعد الجدل والغضب الشعبي، تحرك مركز سيدي حرازم للدرك الملكي فوراً بمجرد انتشار المقاطع المصورة، لكن هذا التدخل جاء متأخراً، وبعد وقوع الضرر. وهو ما يُعزز الإحساس الشعبي بأن السلطات تتحرك برد الفعل لا بسياسة استباقية، وأن ما لا يُوثق بالكاميرا لا يهم.

هذا الخلل يُعزز شعوراً عاماً بـ”ترك المواطن يواجه مصيره”، ويُضعف صورة المؤسسات المختصة في المناطق السياحية التي من المفروض أن تكون فضاءات آمنة ومفتوحة للجميع، لا فضاءات تحت رحمة عصابات موسمية.

التحكم في منافذ الطرقات والجبال والعيون والسدود من طرف أفراد أو جماعات ملثمة لا يمكن أن يمر مرور الكرام. الأمر لا يتعلق بممارسات بسيطة، بل بـجرائم يعاقب عليها القانون، ويجب أن تكون محل متابعة فورية من النيابة العامة، لا أن يُترك الأمر لحسابات سياسية أو تغطيات موسمية.

القطع مع هذا التسيب يجب أن يُصبح أولوية واضحة للسلطات المحلية والدرك الملكي، الذين يمتلكون بموجب القانون الضابطة القضائية، ولهم الصلاحيات الكاملة لاعتقال أي متورط في ابتزاز المواطنين أو اعتراض طريقهم، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالطريق العمومية، وتهديد أمن المصطافين.

فصل الصيف ليس موسماً للفوضى، بل اختبار حقيقي لهيبة الدولة. والسكوت عن هذه التجاوزات يُعد تواطؤاً غير مباشر مع مظاهر التسيب، خاصة أن بعض هذه الأفعال قد تكون مدخلاً إلى جرائم أخطر، من السرقة، إلى الاعتداء، إلى تهديد السلامة الجسدية للأفراد.

المطلوب ليس فقط الاعتقال، بل حملات استباقية دائمة، وعقوبات رادعة تُعيد الاعتبار للفضاء العمومي كمجال آمن ومشترك، بعيداً عن سيطرة الفوضويين، حتى لا تتحول الوديان إلى فخاخ، والشواطئ إلى حلبات ابتزاز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى