قضايا

عاجل من فاس.. غضب طلابي يجتاح الشوارع ومسيرة حاشدة من ظهر المهراز وسايس نحو رئاسة الجامعة.. شعارات قوية ضد خوصصة التعليم وتراجع الوعود تشعل المواجهة

تعيش جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، زوال الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، على وقع تصعيد طلابي جديد، بعدما خرج طلبة المركبين الجامعيين ظهر المهراز وسايس في مسيرة احتجاجية حاشدة، متجهين نحو رئاسة الجامعة، في خطوة ميدانية تعكس اتساع رقعة الغضب الطلابي وفقدان الثقة في مآل الحوار السابق، وسط إصرار المحتجين على انتزاع إجابات واضحة بشأن ملفات اجتماعية وبيداغوجية يقولون إنها ظلت عالقة رغم الوعود التي قدمتها الجهات المعنية.

وانطلقت المسيرة من القلعة الحمراء، مرورا بالحي الصناعي سيدي إبراهيم، في اتجاه طريق صفرو، وصولا إلى رئاسة الجامعة، وفق المسار الذي حدده المنظمون. ورفع الطلبة شعارات نضالية ذات نبرة تصعيدية، عبّروا من خلالها عن رفضهم لما يعتبرونه تراجعا عن الالتزامات السابقة، وتجاهلا لمعاناتهم اليومية، وتمسكا بالدفاع عن مجانية التعليم والجامعة العمومية والحق في متابعة الدراسة دون أن تتحول الإمكانيات المادية إلى حاجز أمام التحصيل العلمي.

وتأتي هذه الخطوة بعد مسيرة طلابية أخرى جابت وسط مدينة فاس يوم الأحد 18 أكتوبر، في مشهد أكد انتقال الاحتجاج من فضاءات الكليات والأحياء الجامعية إلى شوارع المدينة، وتنامي الإصرار على إيصال المطالب إلى مختلف المؤسسات المعنية. ومع عودة الطلبة إلى الاحتجاج اليوم، تتجه الأنظار إلى رئاسة الجامعة لمعرفة ما إذا كانت ستبادر إلى فتح حوار جديد يعالج أسباب الاحتقان، أم أن الموسم الجامعي سيظل محاصرا بالمقاطعة والتصعيد.

«لا سلام لا استسلام، معركة إلى الأمام».. شعارات تختزل غضب الطلبة

لم تعد التحركات الطلابية بجامعة فاس مقتصرة على وقفات محدودة أو حلقات نقاش داخل الحرم الجامعي، بل باتت تتخذ أشكالا احتجاجية متصاعدة، عنوانها الرئيسي رفض استمرار الوضع القائم والمطالبة بتنفيذ الالتزامات السابقة والاستجابة للملفات الجديدة.

وفي مقدمة الشعارات التي يرفعها المحتجون، يتردد شعار «لا سلام لا استسلام، معركة إلى الأمام»، في تعبير عن إصرارهم على مواصلة النضال إلى حين تحقيق المطالب التي يعتبرونها حقوقا مشروعة. كما تتركز مضامين الهتافات الطلابية على رفض خوصصة التعليم، والتنديد بالرسوم المفروضة على بعض مسارات الدراسة، والمطالبة بالسكن والإطعام والنقل الجامعي، إلى جانب الدعوة إلى احترام الالتزامات التي جرى الحديث بشأنها خلال حوار 13 يناير.

وتعكس هذه الشعارات، في سياقها الاحتجاجي، شعورا متزايدا لدى فئات من الطلبة بأن الوعود السابقة لم تتحول إلى نتائج ملموسة، وأن استمرار الانتظار دون آجال واضحة لتنفيذ الالتزامات يجعل العودة إلى الشارع، من وجهة نظرهم، وسيلة للضغط على المسؤولين ودفعهم إلى التحرك.

ولا يتعلق الأمر، وفق ما يطرحه المحتجون، بملف واحد يمكن تسويته بقرار إداري منفرد، بل بحزمة من القضايا المترابطة التي تمس تفاصيل الحياة الجامعية، من كلفة متابعة الدراسة إلى شروط الإقامة والإطعام والتنقل، مرورا بالمشكلات الإدارية والبيداغوجية التي تواجه بعض الطلبة والباحثين.

الوعود السابقة في قلب المعركة.. لماذا عاد الطلبة إلى الشارع؟

يشكل الحوار الذي انعقد يوم 13 يناير إحدى المحطات الأساسية في خلفية الاحتجاجات الحالية، بعدما علّق الطلبة أشكالا من التصعيد في انتظار تنفيذ الالتزامات التي يقولون إنها طُرحت خلال ذلك اللقاء.

غير أن عودة الاحتجاجات والمقاطعة تعكس، بحسب موقف الحركة الطلابية، عدم اقتناع المحتجين بحصيلة ما تحقق، واستمرار ملفات يعتبرونها أساسية دون حلول كافية أو آجال واضحة.

ومن هنا، لم تعد المطالب الحالية مرتبطة فقط بانتزاع استجابة جديدة، بل أيضا بمعرفة مآل الالتزامات السابقة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والأسباب التي حالت دون معالجة ما تبقى منها.

ويطالب الطلبة بتوضيحات صريحة بشأن ما تحقق فعليا في ملف السكن الجامعي والإطعام والنقل والمنحة والمرافق الأساسية، مع تحديد جدول زمني واضح للملفات التي ما زالت عالقة. كما يرفضون، وفق مواقفهم المعلنة، أن يتحول الحوار إلى محطة لتأجيل الاحتجاجات دون ضمانات عملية بشأن التنفيذ.

وتضع هذه الوضعية رئاسة الجامعة وبقية المتدخلين أمام مسؤولية سياسية وتدبيرية وأكاديمية، لأن استمرار المقاطعة لا يؤثر فقط على انتظام الدروس والامتحانات، بل يهدد أيضا بتوسيع أزمة الثقة بين الطلبة والمؤسسات التي يفترض أن تدافع عن مصالحهم الأكاديمية والاجتماعية.

القانون رقم 59.24 ورسوم التوقيت الميسر.. مواجهة حول مستقبل الجامعة العمومية

ويشكل رفض القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي أحد المحاور الأساسية للتعبئة الطلابية الراهنة، إذ يعتبر المحتجون أن بعض مقتضياته وطريقة تنزيلها تفتح المجال أمام توسيع الرسوم المالية على مسارات جامعية، بما قد يضعف مبدأ تكافؤ الفرص ويجعل القدرة على الأداء عاملا مؤثرا في متابعة الدراسة العليا.

وتأتي هذه الاحتجاجات على خلفية الاعتراض على رسوم مرتبطة بنظام التوقيت الميسر في بعض مسارات الماستر والدكتوراه، حيث يطالب الطلبة والباحثون بمراجعة القرارات المعتمدة، ويثيرون أسئلة حول انعكاساتها على الطلبة المنحدرين من أسر محدودة ومتوسطة الدخل، وعلى الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال دراساتهم.

ويرى المحتجون أن الجامعة العمومية ينبغي أن تظل فضاء للمعرفة والبحث العلمي والترقي الاجتماعي، لا أن تتحول تكاليف الدراسة فيها إلى عائق إضافي أمام الفئات التي تعاني أصلا من أعباء المعيشة والسكن والتنقل.

كما يحذرون من أن توسيع الرسوم دون ضمانات واضحة للإنصاف الاجتماعي قد يخلق تفاوتات في فرص متابعة الدراسة العليا، ويضعف قدرة بعض الباحثين على استكمال التكوين والمساهمة في البحث العلمي.

وفي المقابل، فإن الحسم في هذه المطالب يحتاج إلى حوار مؤسساتي يوضح الإطار القانوني للرسوم، والفئات المعنية بها، وشروط الإعفاء، والجهات المخولة لاتخاذ القرارات بشأنها. غير أن استمرار الاحتجاجات يبين أن التوضيحات المطلوبة لم تصل بعد، في نظر المحتجين، إلى مستوى يبدد مخاوفهم.

السكن الجامعي.. مشاريع متأخرة ومعاناة يومية للطلبة

وإلى جانب ملف الرسوم، يعود السكن الجامعي إلى صدارة المطالب التي يرفعها المحتجون، بالنظر إلى الصعوبات التي تواجه الطلبة القادمين من مدن وقرى بعيدة عن فاس، والذين يجد عدد منهم نفسه أمام تكاليف كراء مرتفعة أو ظروف إقامة لا تساعد على الاستقرار الدراسي.

ويتحدث الطلبة عن تأخر فتح بعض مرافق الإيواء الجامعي، وفي مقدمتها الحي الجامعي القريب من المركز الاستشفائي الجامعي، إلى جانب مطالب مرتبطة بمشروع الحي الجامعي والمطعم الجامعي بظهر المهراز. ويطالبون بتوضيح الوضعية الفعلية لهذه المشاريع، ونسب تقدم الأشغال، وأسباب التأخر، والموعد المتوقع لدخول المرافق المعنية حيز الاستعمال.

وتتجاوز هذه المطالب مسألة توفير سرير داخل حي جامعي، لأن السكن يرتبط بالإطعام والنقل والمرافق الصحية وظروف الاستقرار التي تسمح للطالب بالتركيز على الدراسة بدل استنزاف وقته وموارده في البحث عن أبسط شروط العيش.

ويعتبر المحتجون أن استمرار التأخر في معالجة هذه الملفات يفاقم الضغط على الأحياء الجامعية القائمة، ويزيد من معاناة الطلبة الذين لا تسمح لهم أوضاعهم المالية بتحمل تكاليف السكن الخاص، خصوصا في ظل ارتفاع أسعار الكراء والمصاريف اليومية.

ومن هنا، فإن الاستجابة للمطالب الاجتماعية لا ينبغي أن تقتصر على الوعود العامة، بل تحتاج إلى معطيات دقيقة بشأن المشاريع، وآجال محددة، وإجراءات مرحلية تخفف من المعاناة إلى حين استكمال المرافق الجديدة.

النقل والإطعام والمنحة.. مطالب تمس صميم الحياة الجامعية

ويحتل النقل الجامعي مكانة متقدمة ضمن الملف المطلبي، في ظل مطالب بتوسيع الخطوط التي تربط الأحياء والمناطق السكنية بالمركبين الجامعيين، وتحسين تواتر الحافلات، وتخفيف الاكتظاظ، ومراجعة كلفة التنقل بالنسبة إلى الطلبة.

ويؤكد المحتجون أن صعوبة الوصول إلى الكليات في الوقت المناسب تؤثر على انتظام الدراسة، وتضاعف الأعباء المالية على الطلبة الذين يضطرون إلى استعمال وسائل نقل متعددة للوصول إلى مؤسساتهم.

ويبرز هنا دور جماعة فاس والجهات المعنية بتدبير النقل الحضري، إذ يطالب الطلبة بتوضيح مآل الالتزامات السابقة المتعلقة بتحسين الخدمات، والكشف عن الإجراءات المبرمجة للاستجابة للحاجات المتزايدة للمركبين الجامعيين.

كما يطالبون بتحسين خدمات الإطعام الجامعي، وضمان فتح المطاعم والمرافق الأساسية في ظروف مناسبة، إلى جانب معالجة المشكلات المرتبطة بالمنحة والتسجيل وإعادة التسجيل والمسارات البيداغوجية.

وتكشف هذه المطالب أن الاحتجاج الطلابي يتجاوز الاعتراض على قرار أو قانون، ليطرح سؤالا أوسع يتعلق بمدى قدرة الجامعة العمومية على توفير بيئة متكاملة تحفظ كرامة الطالب وتضمن تكافؤ الفرص، بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي أو المجال الجغرافي الذي قدم منه.

النهج الديمقراطي القاعدي يقود التعبئة.. والمقاطعة تضغط على الموسم الجامعي

وتقود هذه التحركات عناصر من الطلبة القاعديين داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ويبرز ضمنها النهج الديمقراطي القاعدي، الذي يعد من أبرز الفصائل الطلابية حضورا في عدد من المحطات الاحتجاجية بجامعة فاس.

وقد اختارت الحركة الطلابية الجمع بين مقاطعة الدراسة والمسيرات الميدانية وحلقات النقاش والتعبئة داخل المركبين الجامعيين، في محاولة لإبقاء المطالب في صدارة الاهتمام الجامعي والمحلي.

ويمنح امتداد الاحتجاج بين ظهر المهراز وسايس، ثم انتقال المسيرات إلى شوارع المدينة والتوجه نحو رئاسة الجامعة، هذه التعبئة بعدا يتجاوز احتجاجا محليا داخل مؤسسة واحدة، إذ أصبحت الملفات الاجتماعية والبيداغوجية موضوع ضغط مباشر على عدد من المتدخلين.

ومع ذلك، فإن حجم المشاركة في المسيرة الحالية وعدد الطلبة المنخرطين فيها يظلان بحاجة إلى معطيات ميدانية دقيقة، رغم وصف المشاركين لها بأنها من أضخم التحركات الاحتجاجية التي عرفتها الجامعة خلال الفترة الأخيرة.

ويبقى التحدي الأساسي هو منع استمرار القطيعة بين الحركة الطلابية والإدارة الجامعية، لأن تعطيل الدراسة لا يخدم مصالح الطلبة على المدى الطويل، كما أن تجاهل المطالب أو تأجيلها دون أجوبة واضحة يزيد من صعوبة استعادة الهدوء.

رئاسة الجامعة مطالبة بفتح الحوار.. قبل أن تتسع دائرة الاحتقان

وأمام هذه التطورات، تبدو رئاسة جامعة سيدي محمد بن عبد الله مطالبة بالمبادرة إلى فتح قنوات حوار جدي مع ممثلي الطلبة، مع إشراك الجهات المختصة في ملفات السكن والإطعام والنقل والرسوم، كل حسب اختصاصه القانوني والإداري.

فبعض المطالب تدخل ضمن مسؤولية الجامعة ومؤسساتها، فيما يتطلب بعضها الآخر تنسيقا مع قطاعات حكومية وجماعة فاس والجهات المكلفة بالنقل ومشاريع الأحياء الجامعية. غير أن تعدد المتدخلين لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتبادل المسؤوليات أو لتأجيل اتخاذ القرارات.

والمطلوب اليوم هو عرض حصيلة واضحة لما تحقق من التزامات حوار 13 يناير، وتحديد الملفات التي ما زالت عالقة، وتفسير أسباب التأخر، ووضع آجال قابلة للتتبع والتنفيذ، مع إقرار آلية منتظمة للتواصل مع الطلبة بشأن تقدم المعالجة.

فالموسم الجامعي لا يحتمل استمرار الغموض، والطلبة لا يحتاجون إلى حوار جديد ينتهي بوعود عامة، بل إلى مسار يربط كل مطلب بالجهة المسؤولة عنه، ويحدد ما يمكن إنجازه فورا وما يحتاج إلى برمجة مالية أو مساطر إدارية.

وبين المسيرة الحاشدة التي انطلقت من القلعة الحمراء، والاحتجاجات التي جابت وسط فاس قبل يومين، تتضح رسالة الطلبة: لا يمكن مطالبتهم باستئناف الدراسة بصورة طبيعية ما دامت ملفات يعتبرونها جوهرية دون حلول مقنعة.

إن استقرار الجامعة لا يتحقق بالصمت أو تجاهل الاحتجاجات، كما أن صون الحق في التعليم يقتضي الحفاظ على انتظام الدراسة وتوفير شروطها الاجتماعية والبيداغوجية. ولذلك، فإن مسؤولية رئاسة الجامعة وبقية المتدخلين تكمن في تحويل هذه اللحظة المتوترة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، عبر الحوار المسؤول والشفافية والالتزامات القابلة للتنفيذ.

وتظل المسيرة الحالية مؤشرا على أن الغضب الطلابي لم ينته، وأن المطالب الاجتماعية والاعتراضات على الرسوم والقانون رقم 59.24 ما زالت تؤجج التعبئة. أما ما سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة، فهو قدرة المسؤولين على الانتقال من تدبير الاحتقان إلى معالجة أسبابه، قبل أن تتعمق المقاطعة وتتسع الهوة بين الجامعة وطلبتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى