سياسة

“سندات الطلب” تحت المجهر… افتحاص يطوّق صفقات مشبوهة استفادت منها “شركات الأقارب”

فتحت المفتشية العامة للمالية ملفًا ثقيلاً يتعلق بصفقات عمومية أبرمتها مؤسسات ومقاولات عمومية عبر مسطرة “سندات الطلب”، بعد توصلها بمعطيات دقيقة تفيد بوجود شبهات تلاعب ومحسوبية في إسناد عدد من هذه الصفقات، لفائدة شركات يشتبه في ارتباطها العائلي بمسؤولين عموميين.

وحسب مصادر مطلعة، فقد شمل الافتحاص ما لا يقل عن 17 مؤسسة ومقاولة عمومية وملحقات تابعة لها، جرى التركيز فيها على صفقات منحت بشكل متكرر لشركات بعينها، رغم وجود عروض منافسة أقل كلفة وأكثر تنافسية، في خرق صريح لمبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.

صفقات متكررة… وشبهات تضارب مصالح

وأفادت المصادر ذاتها أن فرق التفتيش دققت في ملفات صفقات جرى تمريرها خلال الأربع سنوات الأخيرة، همّت أساسًا قطاعات الحراسة والنظافة والصيانة، إضافة إلى توريد التجهيزات المعلوماتية والمكتبية. وقد لوحظ تركّز هذه الصفقات في أسماء محددة من الشركات، تبين لاحقًا أن عددًا منها مملوك لأقارب مسؤولين نافذين داخل الإدارات المعنية.

خروقات لمرسوم الصفقات العمومية

ووفق المعطيات المتوفرة، فإن المفتشين شرعوا في التحقق من مدى احترام أصحاب المشاريع ومقدمي الخدمات لمقتضيات مرسوم الصفقات العمومية رقم 2.22.431، خاصة ما يرتبط بإجراءات الإشهار، واستقبال عروض الأثمان، وضمان المنافسة الحقيقية.

وكشفت التحقيقات الأولية عن تجاوزات خطيرة، أبرزها عدم نشر إعلانات الشراء عبر سندات الطلب في بوابة الصفقات العمومية، وعدم استقبال عروض متعددة كما ينص القانون، قبل إسناد الصفقة للعرض الأقل ثمنًا.

التحايل على سقف 500 ألف درهم

وسجلت مصادر الجريدة أن بعض المسؤولين العموميين استغلوا الطابع التيسيري لسندات الطلب، التي يسمح القانون بإبرامها في حدود 500 ألف درهم خلال سنة مالية واحدة، لتمرير صفقات لفائدة شركات يملكها أقاربهم. وفي حالات موثقة، جرى تشطير النفقات على مراحل متتالية لتفادي تجاوز السقف القانوني، رغم أن القيمة الحقيقية للأشغال أو الخدمات تفوق بكثير المبلغ المحدد.

وأوضحت المصادر أن أحد المسؤولين الكبار داخل مؤسسة عمومية خاضعة للافتحاص أصرّ على تمرير صفقات تفوق قيمتها القانونية عبر سندات الطلب، ما استدعى توجيه إشعارات وتحفظات رسمية من طرف الخازن المكلف بالمؤسسة نفسها.

غياب لجان الانتقاء والمراقبة

كما رصدت فرق التفتيش خروقات أخرى لا تقل خطورة، تتعلق بغياب لجان مختصة مكلفة بانتقاء المتنافسين وتتبع تنفيذ الصفقات، فضلاً عن ضعف أو انعدام المراقبة التقنية لمطابقة الخدمات المنجزة مع المواصفات المحددة في الإعلانات، وهو ما يشكل خرقًا واضحًا للقوانين المنظمة للصفقات العمومية.

أرقام ثقيلة وملفات مفتوحة

وحسب المعطيات المتوفرة، فإن القيمة الإجمالية للصفقات التي خضعت للافتحاص تجاوزت 170 مليون درهم، فيما لا تزال عمليات التدقيق متواصلة وتشمل ملفات أخرى تحوم حولها شبهات تفويت “مفصل على المقاس”، لفائدة مقاولات وُصفت داخل التقارير الأولية بـ”المحظوظة”.

تحذيرات سابقة من مجلس الحسابات

وكان المجلس الأعلى للحسابات قد دق ناقوس الخطر في تقارير سابقة، محذرًا من الانزلاقات المرتبطة باستعمال سندات الطلب، ومبرزًا أن ضعف أنظمة المراقبة الداخلية شجع على تجزئة النفقات للتحايل على مساطر طلبات العروض.

وسجل المجلس حالات تسند فيها الطلبات إلى المقاول نفسه، رغم تقديم عروض شكلية من متنافسين آخرين، تبيّن لاحقًا أنها عروض صورية أو مجاملة، ما يفرغ مبدأ المنافسة من مضمونه، ويحوّل آلية استثنائية أُحدثت لدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى بوابة مفتوحة للزبونية وتضارب المصالح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى