ثقافة

روبورتاج | فاس بين أوراش التأهيل الشامل ورهان الإقلاع: هل تستعيد العاصمة العلمية وهجها المفقود؟

روبرتاج من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي 

في قلب التحولات التي تعرفها المدن المغربية الكبرى، تبرز مدينة فاس اليوم كواحدة من أبرز الأوراش المفتوحة على رهانات متعددة، بين التأهيل الحضري، والإنعاش الاقتصادي، وإعادة الاعتبار للدور الثقافي والحضاري لعاصمة عمرها أزيد من 12 قرنا. روبورتاج ميداني أنجزته “فاس 24 الرقمية” نقل صورة مركبة لمدينة تعيش على إيقاع تغيير متسارع، لكنه يطرح في الآن ذاته أسئلة عميقة حول ما ينقص هذا المسار حتى يكتمل.

قيادة جديدة… ورؤية ميدانية صارمة

منذ تعيين والي الجهة خالد آيت طالب، بدأت معالم مرحلة جديدة تتشكل في فاس، عنوانها الانتقال من التدبير التقليدي إلى منطق الفعل الميداني المباشر. الرجل، الذي راكم تجربة إدارية وصحية مهمة سواء على رأس المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني أو خلال قيادته لوزارة الصحة في مرحلة حساسة تزامنت مع جائحة كوفيد-19، جاء إلى فاس وهو يحمل تصوراً واضحاً: تنزيل التوجيهات الملكية على الأرض دون تردد أو بطء.

الفاعلون المحليون الذين استمعت إليهم “فاس 24” أجمعوا على أن الوالي يعتمد أسلوباً مغايراً، يقوم على تتبع الأوراش، الحزم في التنفيذ، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي عناصر ظلت، لسنوات، مطلباً ملحاً داخل المدينة.

شركة التهيئة… الذراع التنفيذي للتغيير

محور التحول الميداني يتجسد في الدور الذي تلعبه شركة فاس الجهة للتهيئة، باعتبارها الأداة التنفيذية لتنزيل المشاريع الكبرى. هذه الشركة، التي تشتغل بتنسيق مباشر مع ولاية الجهة، تقود اليوم عدداً من الأوراش الحيوية: تهيئة الشوارع، إعادة تأهيل الفضاءات العمومية، تحديث البنيات التحتية، وتوسيع المساحات الخضراء.

غير أن هذا التحول، رغم أهميته، لا يُخفي حقيقة أساسية: التأهيل الحضري وحده لا يكفي. ففاس، كما يؤكد مهنيون ومستثمرون، تحتاج إلى رؤية شمولية تدمج البعد الاقتصادي والثقافي والسياحي في آن واحد.

السياحة… الحلقة الأضعف في معادلة النهوض

في لقاء مع مهنيين في القطاع السياحي، برزت مفارقة لافتة: فاس تتوفر على مؤهلات تاريخية وثقافية استثنائية، لكنها لا تستثمرها بالشكل الكافي. أحد المستثمرين لخص الوضع بعبارة واضحة: “لا يمكن أن نتحدث عن نهوض سياحي بدون عقلية جديدة”.

الانتقادات الموجهة للقطاع تركزت حول نقطتين أساسيتين: جودة الخدمات، ومستوى الأسعار. إذ دعا المهنيون إلى القطع مع منطق اعتبار الزبون “ضحية”، والتوجه نحو فلسفة جديدة تجعل منه شريكاً في التنمية الاقتصادية. تحسين الخدمات، مراجعة الأسعار، والتكوين المستمر، كلها شروط أساسية لإعادة بناء صورة المدينة كوجهة سياحية تنافسية.

مطار فاس سايس… بوابة تحتاج إلى إنعاش

واحدة من أبرز النقاط التي أثارها المتدخلون تتعلق بوضعية مطار فاس سايس، الذي فقد خلال السنوات الأخيرة عدداً مهماً من الخطوط الدولية، تُقدر بحوالي سبع وجهات. هذا التراجع يشكل، حسب المهنيين، عائقاً حقيقياً أمام أي إقلاع سياحي.

المطلب واضح: ضرورة تدخل السلطات لإعادة استقطاب شركات الطيران، وفتح خطوط جديدة، خاصة نحو المدن الأوروبية التي تشكل السوق التقليدي للسياحة الفاسية. فالترويج السياحي لا يمكن أن ينجح دون بنية نقل جوي قوية ومستمرة.

فاس الثقافية… روح المدينة التي يجب أن تعود

بعيداً عن الاقتصاد والبنيات التحتية، يبرز البعد الثقافي كأحد أهم مفاتيح إحياء فاس. المدينة التي كانت، لعقود، مركزاً للحوار الحضاري وملتقى للثقافات، عرفت نوعاً من الركود في هذا المجال.

فنانون ومثقفون تحدثوا لـ“فاس 24” عن ضرورة إعادة الاعتبار للدور الثقافي، من خلال إحياء التظاهرات الكبرى و كذلك تقديم المهرجانات بفلسفة جديدة بعيدة عن النمط التقليدي السائد ،كمهرجان فاس للموسيقى الروحية،ومهرجان التصوف ،و لما لا إضافة منتدى الزاوية التيجانية و تخصيص موسم لها مرتبط بما هو روحي و يتسقطب الحجاج التيجانيين ،و هذه المهرجانات و الموسام و المنتديات يجب تطويرها لتصبح أكثر إشعاعاً وتأثيراً. كما دعوا إلى تنظيم مؤتمرات دولية ومنتديات فكرية تعيد المدينة إلى واجهة النقاش الثقافي العالمي.

“فاس لا تحتاج فقط إلى طرق وحدائق، بل إلى روح”، يقول أحد الفنانين، في إشارة إلى أن التنمية الحقيقية تمر عبر إعادة إحياء الحياة الثقافية والفنية.

الساكنة… شريك أساسي في معركة التغيير

الروبورتاج لم يقتصر على المسؤولين والمهنيين، بل شمل أيضاً ساكنة المدينة، التي أبدت تفاؤلاً واضحاً بالمستقبل. عدد من المواطنين أكدوا أن التحولات الجارية ملموسة على مستوى الفضاء العام، من حيث النظافة، الإنارة، وتأهيل الشوارع.

لكن هذا التفاؤل مشروط، حسب فعاليات جمعوية، بمدى انخراط الساكنة في الحفاظ على هذه المكتسبات. إذ تم التأكيد على ضرورة نشر ثقافة جديدة تقوم على احترام الملك العام، حماية الحدائق، صيانة التجهيزات، والتصدي للسلوكيات التخريبية.

الرهان هنا ليس فقط على الدولة، بل على المواطن أيضاً، باعتباره فاعلاً رئيسياً في إنجاح أو فشل أي مشروع تنموي.

نحو مونديال 2030… فرصة لا تتكرر

مع اقتراب تنظيم كأس العالم 2030، تجد فاس نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة تموقعها ضمن الخريطة السياحية العالمية. هذا الحدث، الذي سيستقطب ملايين الزوار، يفرض على المدينة تسريع وتيرة الإصلاحات، ليس فقط على المستوى البنيوي، بل أيضاً على مستوى العقليات والخدمات.

التحضير لهذا الموعد العالمي يتطلب رؤية متكاملة تشمل: النقل، الإيواء، التنشيط الثقافي، الأمن، وجودة الخدمات. وهي تحديات كبرى، لكنها في الآن ذاته فرصة لإعادة بناء صورة فاس كمدينة عالمية.

ما الذي ينقص فاس فعلاً؟

رغم كل ما تحقق، يظل السؤال الجوهري مطروحاً: ما الذي ينقص فاس؟

من خلال هذا الروبورتاج، يمكن تلخيص الجواب في أربع نقاط أساسية:

أولاً: الإقلاع الاقتصادي
التأهيل الحضري يجب أن يوازيه إنعاش اقتصادي حقيقي، عبر دعم الاستثمار، إحياء المرافق المهجورة، وخلق فرص شغل.

ثانياً: ثورة في القطاع السياحي
تحسين جودة الخدمات، مراجعة الأسعار،إسترجاع و إضافة خطوط دولية جديدة لمطار فاس سايس، وتطوير العرض السياحي بما يتلاءم مع تطلعات الزوار.

ثالثاً: عودة الروح الثقافية
إحياء المهرجانات، تنظيم الفعاليات، واستقطاب النخب الفكرية والفنية.

رابعاً: تغيير العقليات
وهو التحدي الأصعب، لكنه الأهم. فبدون مواطن واعٍ، يحترم مدينته ويساهم في تطويرها، تبقى كل الجهود ناقصة.

فاس… بين الماضي العريق والمستقبل الممكن

فاس ليست مدينة عادية. إنها ذاكرة المغرب، وعاصمته العلمية، ومرآة تاريخه الحضاري. لكنها، في الوقت نفسه، مدينة تبحث عن موقعها في مغرب اليوم، بين مدن صاعدة مثل مراكش وطنجة.

ما يحدث اليوم في فاس ليس مجرد أوراش تهيئة، بل محاولة لإعادة كتابة قصة مدينة. قصة قد تنجح، إذا توفرت الإرادة الجماعية، وقد تتعثر إذا بقيت الجهود مشتتة.

الرسالة التي خرج بها روبورتاج “فاس 24” واضحة:
فاس تتحرك… لكنها تحتاج إلى الجميع.
السلطات، المنتخبون، المهنيون، والمواطنون، كلهم معنيون بمعركة الإحياء.

فاس بين وهج الثقافة وإشعاع الليالي: مفاتيح استعادة الروح الغائبة

في ظل التحولات الجارية، تبدو كل المؤشرات متجهة نحو إمكانية استعادة فاس لبريقها، لكن ذلك يمر حتماً عبر بوابة التنشيط الثقافي الذي ظل لسنوات الحلقة الأضعف في معادلة النهوض؛ فإحياء تظاهرات كبرى  يجب أن يتجاوز الطابع المناسباتي نحو رؤية مستدامة تجعل من المدينة منصة دائمة للفن والفكر، وهو ما يستدعي إعادة إطلاق مبادرات نوعية من قبيل “أضواء فاس” و“ليالي فاس” التي كانت تمنح للمدينة حياة ليلية نابضة وتخلق دينامية اقتصادية موازية تنعش المطاعم والفنادق والفضاءات الثقافية. إن الرهان اليوم لم يعد فقط في ترميم الحجر، بل في إحياء الروح، عبر برمجة ثقافية مستمرة على مدار السنة، تستقطب الزوار وتعيد الثقة للساكنة، خاصة وأن فاس تمتلك كل المقومات لتكون عاصمة للثقافة المتوسطية والإفريقية، إذا ما تم توظيف تراثها اللامادي، وفنونها الصوفية، وفضاءاتها التاريخية في خلق تجربة حضرية متكاملة تجعل من الليل امتداداً للحياة، لا زمناً للركود، ومن الثقافة رافعة حقيقية للتنمية وليست مجرد ترف مناسباتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى