بنكيران يهاجم أخنوش بشدة من الجديدة: «لا يعرف معنى الحكم ويختبئ وراء الملكية»

شنّ عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، هجوماً سياسياً شديد اللهجة على رئيس الحكومة عزيز أخنوش، خلال مهرجان خطابي نظمه حزبه بمدينة الجديدة، مساء الأحد، موجهاً إليه انتقادات مباشرة طالت طريقة تدبيره للحكومة، ومتهماً إياه، وفق تعبيراته، بافتقاد مقومات الحكم السياسية والأخلاقية والنزاهة اللازمة لتحمل مسؤولية قيادة الحكومة.
واختار بنكيران، خلال كلمته أمام أنصار حزبه، رفع سقف المواجهة السياسية مع رئيس الحكومة، معتبراً أن الإشكال لا يتعلق فقط بالوعود التي لم يتم تنفيذها، وإنما بما وصفه بغياب المؤهلات السياسية والأخلاقية الضرورية لممارسة الحكم.
وقال بنكيران مخاطباً أخنوش إن «السيد أخنوش لا يعرف معنى الحكم، ولا يعرف كيف يحكم، وليست لديه أخلاق الحكم، ولا نزاهة الحكم، وليست لديه القدرة السياسية التي تمكنه من مساندة الملكية، وهو دائما يختبئ وراءها»، في واحدة من أكثر العبارات حدة التي وجهها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إلى رئيس الحكومة.
ولم يكتف بنكيران بانتقاد أداء الحكومة، بل حاول وضع حصيلة الولاية الحكومية الحالية في إطار سياسي أوسع، معتبراً أن المغاربة لم يعودوا، بحسب قراءته، يرون انسجاماً وتعاوناً حقيقياً بين مكونات الأغلبية، وإنما يشاهدون خلافات وصراعات داخلية.
واستعمل بنكيران في هذا السياق عبارة «إذا اختلف السارقان ظهر المسروق»، في إشارة سياسية إلى ما اعتبره تناقضاً بين مكونات الحكومة وتبادل المسؤوليات والاتهامات بشأن عدد من الملفات، معتبراً أن هذه الخلافات لا تصب في مصلحة المواطنين ولا تقدم حلولاً للمشاكل التي تواجههم.
بنكيران يستحضر تجربة حكومته
وفي محاولة للمقارنة بين تجربته في رئاسة الحكومة والحكومة الحالية، عاد بنكيران إلى محطة انتخابات سنة 2011، عندما تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج الانتخابات وحصل على 107 مقاعد، ليقود الحكومة في تجربة سياسية اعتبرها محطة مفصلية في مسار الحزب.
وقال إن خصوم الحزب آنذاك كانوا يتوقعون ألا تستمر حكومته سوى بضعة أشهر، غير أنها استمرت خمس سنوات كاملة، معتبراً أن التجربة شكلت، من وجهة نظره، دليلاً على قدرة الحزب على تحمل مسؤولية تدبير الحكومة والاستمرار في ممارسة الحكم.
كما استعاد محطة انتخابات 2016، التي عاد فيها العدالة والتنمية إلى صدارة النتائج، قبل أن يدخل، وفق روايته، في أزمة سياسية حالت دون تمكنه من تشكيل الحكومة بالشكل الذي كان يريده.
واعتبر بنكيران أن تلك المرحلة كشفت، بحسب قراءته، عن وجود اصطفافات سياسية هدفت إلى محاصرة الحزب ومنع استمراره في قيادة الحكومة.
«مسامير المائدة» وذاكرة الصراع السياسي
وفي الجزء الأكثر ارتباطاً بتاريخ الحزب، استحضر بنكيران انتخابات 2002، متحدثاً عن جهات سياسية قال إنها لم تكن ترغب في أن تعكس نتائج الانتخابات القوة الحقيقية التي حصل عليها العدالة والتنمية.
ووصف تلك الجهات بـ«مسامير المائدة»، معتبراً أنها كانت تنظر إلى صعود الحزب باعتباره تهديداً سياسياً، خصوصاً بعدما حصل على 42 مقعداً، مقابل 14 مقعداً كان متوقعاً له، وفق رواية بنكيران.
وأوضح أن الأمر، بحسب تصوره، لم يتعلق بحزب سياسي واحد، وإنما باصطفاف ضم عدة أحزاب وجهات سياسية، مستحضراً في هذا السياق ما أصبح يعرف لاحقاً بـ«G8».
وفي هذا السياق، ربط بنكيران عزيز أخنوش بهذا الاصطفاف السياسي، مقدماً ذلك باعتباره جزءاً من تاريخ طويل من المواجهة السياسية مع العدالة والتنمية.
غير أن هذه القراءة تظل، كما قدمها بنكيران في خطابه، رواية سياسية وتقييماً منه لتلك المرحلة، في ظل اختلاف القراءات حول طبيعة الاصطفافات التي عرفها المشهد الحزبي المغربي آنذاك.
الأصالة والمعاصرة في مرمى الذاكرة الانتخابية
واستحضر بنكيران كذلك تجربة تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أن الحزب لم يتمكن، بحسب تقييمه، من تحقيق ما كان متوقعاً منه على مستوى الشعبية والامتداد الانتخابي.
وأشار إلى انتخابات 2016 باعتبارها محطة قال إنها أظهرت، في نظره، أن العدالة والتنمية ظل القوة الانتخابية الأولى، وأن محاولات تقديم الأصالة والمعاصرة كبديل سياسي لم تنجح في تغيير موازين القوى التي أفرزتها صناديق الاقتراع.
ومن خلال استحضار هذه المحطات، بدا أن بنكيران يسعى إلى وضع المواجهة الحالية مع الحكومة ضمن سياق سياسي يمتد لسنوات، وليس باعتبارها مجرد خلاف حول حصيلة حكومية أو تدبير مرحلة انتخابية عابرة.
بنكيران: المعركة ليست مع الملكية
وفي مقابل انتقاده الحاد لرئيس الحكومة، حرص بنكيران على توضيح طبيعة موقف حزبه من المؤسسة الملكية، مؤكداً أن معركته السياسية ليست مع الملكية، وإنما مع الحكومة وطريقة تدبيرها للشأن العام.
وشدد على أن حزب العدالة والتنمية، وفق ما جاء في خطابه، يميز بين احترام الملكية باعتبارها إحدى ركائز النظام السياسي المغربي، وبين ممارسة المعارضة تجاه الحكومة وانتقاد سياساتها وقراراتها.
ويأتي هذا التوضيح في سياق سياسي حساس، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يسعى الحزب إلى تقديم نفسه باعتباره معارضاً للحكومة، مع التأكيد في الوقت نفسه على تشبثه بالثوابت السياسية والدستورية للمملكة.
انتخابات 2026.. بنكيران يرفع سقف المواجهة
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، اختار بنكيران توجيه رسائل مباشرة إلى قواعد حزبه وإلى الناخبين، داعياً إلى التعامل مع الاستحقاق المقبل باعتباره محطة حاسمة في تحديد مستقبل المشهد السياسي.
وحذر من تأثير المال والوعود الانتخابية والخطاب القائم على التخويف، داعياً المواطنين إلى اختيار من يثقون بهم، وعدم منح أصواتهم لمن يقدمون وعوداً لا يتم الوفاء بها.
وبذلك حمل خطاب بنكيران في الجديدة أكثر من مجرد انتقاد لحكومة عزيز أخنوش؛ فقد تحول إلى إعلان واضح عن طبيعة المعركة التي يريد حزب العدالة والتنمية خوضها في المرحلة المقبلة، عبر استثمار الذاكرة السياسية للحزب، واستحضار تجربة قيادته للحكومة، ومواجهة ما يعتبره بنكيران إخفاقات الحكومة الحالية.
ويكشف الخطاب، في الوقت نفسه، عن عودة بنكيران إلى استعمال لغته السياسية الأكثر حدة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر برئيس الحكومة، في محاولة لإعادة وضع العدالة والتنمية في قلب النقاش الانتخابي، وتقديمه باعتباره أحد أبرز وجوه المعارضة في مواجهة الأغلبية الحكومية الحالية.
وبينما تقترب الاستحقاقات التشريعية، يبدو أن المواجهة بين بنكيران وأخنوش مرشحة لمزيد من التصعيد السياسي، خصوصاً مع انتقال الخطاب الانتخابي تدريجياً من عرض البرامج إلى محاسبة التجارب الحكومية واستحضار سجل الصراع السياسي بين مكونات المشهد الحزبي المغربي.






