سياسة

انتخابات 2026.. فاس وجهة فاس-مكناس أمام اختبار المشاركة وترقب مؤشرات إقبال متزايد على صناديق الاقتراع

تتجه الأنظار، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، إلى مستوى المشاركة التي ستسجلها مختلف مناطق المملكة، وفي مقدمتها المدن الكبرى، حيث تمثل نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع أحد أبرز المؤشرات على حيوية المشهد السياسي ومدى انخراط المواطنين في تدبير الشأن العام.

وفي جهة فاس-مكناس، بدأت ملامح الاستحقاق الانتخابي تفرض نفسها بقوة على الحياة العامة، مع تسارع تحركات الأحزاب السياسية وبدء مرحلة إيداع الترشيحات، فيما يرتقب أن تشهد الأيام المقبلة ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة التواصل السياسي، خصوصاً مع انطلاق الحملة الانتخابية رسمياً.

فاس.. المشاركة تتجاوز الحسابات الحزبية

وتكتسي المشاركة الانتخابية في مدينة فاس أهمية خاصة، بالنظر إلى وزنها الديمغرافي والسياسي وموقعها داخل الخريطة الوطنية، إذ إن حجم الإقبال المسجل بها وبباقي المدن والأقاليم التابعة لجهة فاس-مكناس سيكون من العناصر المؤثرة في تحديد نسبة المشاركة العامة على مستوى الجهة.

وبعد أسابيع من الهدوء النسبي الذي طبع فترة الصيف، بدأت المؤشرات المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي تبرز بشكل أكبر، سواء من خلال تحركات الأحزاب أو اللقاءات التواصلية أو النقاشات المرتبطة بالترشيحات والبرامج، وهو ما يرجح أن ينتقل معه الاستحقاق تدريجياً من أروقة التنظيمات السياسية إلى الفضاء العمومي.

ويبدو أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في قياس مدى اهتمام الناخبين بالانتخابات، خصوصاً أن فترة غشت تتزامن عادة مع العطلة الصيفية والسفر، وهي عوامل تجعل الاهتمام السياسي أقل حضوراً مقارنة بالفترة التي تسبق الاقتراع مباشرة.

مؤشرات على تحفيز الناخبين للمشاركة

ورغم المخاوف التي يطرحها بعض المتابعين بشأن احتمال استمرار العزوف، فإن مختلف المؤشرات السياسية والميدانية توحي بأن هناك اتجاهاً متزايداً نحو تحفيز المواطنين على المشاركة، سواء من خلال الخطاب الحزبي أو النقاش العمومي أو الاستعدادات التنظيمية الجارية للاستحقاق.

ومع اقتراب موعد الحملة الانتخابية، يتوقع أن تتحول المنافسة السياسية إلى نقاش أكثر مباشرة حول البرامج والمرشحين والقضايا التي تشغل المواطنين، وهو ما يمكن أن يشكل عاملاً أساسياً في تحريك الاهتمام بالانتخابات، خاصة في المدن التي ظلت تعرف خلال الاستحقاقات السابقة مستويات مشاركة أقل من العالم القروي.

وفي هذا السياق، لا تبدو مسؤولية رفع المشاركة حكراً على الأحزاب السياسية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها مختلف مكونات المجتمع، باعتبار أن الانتخابات تشكل الآلية الأساسية التي يختار من خلالها المواطنون ممثليهم داخل المؤسسة التشريعية.

جهة فاس-مكناس.. كتلة انتخابية وازنة

وتحظى جهة فاس-مكناس بموقع مركزي في الاستحقاق المقبل، بالنظر إلى ثقلها الديمغرافي وتنوعها المجالي، الذي يجمع بين مراكز حضرية كبرى مثل فاس ومكناس، ومجموعة من المدن والمناطق القروية والجبلية بإفران والحاجب وصفرو وبولمان وتاونات وتازة ومولاي يعقوب.

ومن شأن تفاوت أنماط التصويت والمشاركة بين هذه المجالات أن يجعل الجهة أمام مشهد انتخابي متعدد الخصائص، خصوصاً أن المشاركة في العالم القروي غالباً ما تكون أكثر ارتفاعاً مقارنة بالمراكز الحضرية، بينما تبقى المدن الكبرى أمام تحدي استعادة ثقة الناخب الحضري وتحفيزه على ممارسة حقه الانتخابي.

وتكتسب فاس، على وجه الخصوص، أهمية مضاعفة، ليس فقط بسبب عدد الناخبين، وإنما أيضاً بالنظر إلى كونها إحدى أكبر الحواضر المغربية، ما يجعل مستوى المشاركة فيها مؤشراً سياسياً مهماً على مدى قدرة الأحزاب على إقناع المواطنين بجدوى الانخراط في العملية الانتخابية.

المشاركة.. واجب ديمقراطي قبل أن تكون ورقة انتخابية

وفي ظل النقاش المتجدد حول العزوف، يبرز التأكيد على أن المشاركة في الانتخابات لا ينبغي اختزالها في مجرد التصويت لفائدة حزب أو مرشح، وإنما باعتبارها ممارسة لحق دستوري ومسؤولية مدنية تساهم في تحديد اتجاه المؤسسات المنتخبة والسياسات العمومية التي ستؤثر بشكل مباشر في حياة المواطنين.

ومن هذا المنطلق، فإن تشجيع المواطنين، وخاصة الشباب، على التسجيل والمشاركة والتوجه إلى مكاتب التصويت يمثل مسؤولية جماعية، لا ينبغي أن ترتبط فقط بالمنافسة بين الأحزاب.

فالمواطن الذي يشارك في الانتخابات يمارس حقه في اختيار من يمثله، بينما يؤدي العزوف الواسع إلى ترك المجال أمام أقلية من الناخبين لتحديد موازين القوى السياسية، وهو ما قد يضعف التمثيلية ويعمق المسافة بين المواطن والمؤسسات.

ولهذا، فإن رفع نسبة المشاركة في فاس ومكناس وباقي أقاليم الجهة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مكسباً لحزب دون آخر، وإنما باعتباره مكسباً للعملية الديمقراطية برمتها.

الشباب في قلب المعادلة

ويبقى الشباب أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستحقاق المقبل، باعتبار أن هذه الفئة تشكل كتلة ديمغرافية واسعة، بينما ظلت مستويات انخراطها في الحياة الانتخابية والسياسية محل نقاش خلال السنوات الماضية.

ومن هنا تبرز أهمية جعل الانتخابات مناسبة لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات السياسية، من خلال تقديم برامج واضحة وقابلة للتنفيذ، ومرشحين قادرين على التواصل مع انتظارات الأجيال الجديدة، بعيداً عن الخطابات الانتخابية التقليدية.

وفي فاس، التي تضم قاعدة شبابية وطلابية كبيرة، سيكون هذا العامل ذا أهمية خاصة، إذ إن نجاح الأحزاب في مخاطبة الشباب وإقناعهم بأن صوتهم قادر على إحداث الفرق قد يكون من العناصر التي تحدد مستوى الإقبال على صناديق الاقتراع.

الحملة الانتخابية.. لحظة الحسم

ومن المرتقب أن تشكل الحملة الانتخابية، التي ستنطلق خلال الأيام المقبلة، الاختبار الحقيقي لقدرة الأحزاب على رفع مستوى الاهتمام بالاستحقاق.

فكلما انتقل النقاش من الصراعات المرتبطة بالترشيحات إلى البرامج والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، ازدادت إمكانية استقطاب الناخبين وإعادة الانتخابات إلى صدارة النقاش العمومي.

وتحتاج جهة فاس-مكناس، في هذا السياق، إلى حملة انتخابية تقوم على النقاش المسؤول حول الملفات التي تهم المواطنين فعلياً، من التشغيل والتعليم والصحة والنقل والسكن إلى التنمية المجالية والاستثمار والخدمات العمومية.

كما أن التنافس الانتخابي الحقيقي يفترض أن يمنح الناخب القدرة على المقارنة بين البرامج والمرشحين، بدل تحويل الحملة إلى مجرد مناسبة لتبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج الخطابات التي ساهمت في تكريس حالة العزوف.

صناديق الاقتراع هي الفيصل

ومع اقتراب 23 شتنبر، يبدو أن مختلف المؤشرات تتجه نحو مرحلة انتخابية أكثر سخونة، خصوصاً مع اكتمال لوائح المرشحين وبدء الحملة الرسمية.

وفي جهة فاس-مكناس، ستكون الأنظار مركزة على فاس ومكناس وعلى مختلف الدوائر الانتخابية، ليس فقط لمعرفة الأحزاب التي ستتصدر النتائج، وإنما أيضاً لمعرفة ما إذا كان الناخبون سيستعيدون حضورهم القوي داخل العملية الانتخابية.

وبين مخاوف العزوف ومؤشرات التحفيز على المشاركة، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل الانتخابات من موعد إداري إلى محطة ديمقراطية يشارك فيها المواطنون بوعي ومسؤولية.

فالمشاركة لا تعني بالضرورة التصويت لهذا الحزب أو ذاك، وإنما تعني أولاً ممارسة الحق في الاختيار، والمساهمة في تشكيل المؤسسات التي ستتولى تمثيل المواطنين وصياغة القوانين ومراقبة السياسات العمومية.

ومن هنا، فإن تشجيع سكان فاس ومختلف أقاليم جهة فاس-مكناس على المشاركة في انتخابات 2026 ينبغي أن يكون هدفاً مشتركاً لكل الفاعلين، لأن قوة المؤسسات المنتخبة لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب، وإنما أيضاً بحجم المواطنين الذين اختاروا أن يكونوا جزءاً من العملية الديمقراطية.

وفي النهاية، ستظل صناديق الاقتراع هي الحكم، وستكشف يوم 23 شتنبر ما إذا كانت المؤشرات الحالية ستترجم فعلاً إلى مشاركة مرتفعة، وما إذا كانت الأحزاب قد نجحت في تحويل الحملة الانتخابية إلى فرصة لاستعادة ثقة الناخبين، خصوصاً داخل المدن الكبرى وفي مقدمتها فاس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى