“الهيب هوب التربوي”… عندما تَرقص الوزارة على أنقاض المدرسة العمومية

في مشهد يُشبه رقصة “البريكينغ” نفسها، قررت وزارة التربية الوطنية أن تُناور بعظام المنظومة التعليمية المترهلة، مطلقة مراسلة تُبشّر بإدماج فنون “الهيب هوب” و”البريكينغ” في برامج التربية البدنية. قرار بدا – على أقل تقدير – وكأنه محاولة يائسة لجعل المدرسة العمومية ترقص على أنغام “الإبداع”، بينما تصرخ قاعاتها من فرط العنف، ويئن أساتذتها تحت وطأة الإهانات المتكررة من التلاميذ، وتتهاوى أسس الانضباط التربوي.
القرار الذي أثار موجة عارمة من السخرية على منصات التواصل الاجتماعي، لم ينجُ من الانتقادات داخل الأوساط التعليمية، بل تجاوزها إلى المؤسسة التشريعية، حيث وُجّهت للوزارة تساؤلات مشروعة عن الغاية من “تربوية الرقص” في زمن تتفشى فيه ظواهر العنف المدرسي والهدر، وتراجع المستويات التعليمية بشكل غير مسبوق.
في وقت كان الجميع ينتظر مقاربات صارمة وشجاعة لإعادة هيبة المؤسسة التعليمية، وتحسين ظروف اشتغال الأطر التربوية، إذ بالوزارة تُخرج من قبعتها أرنباً يُدعى “الهيب هوب”، وتقدمه باعتباره الحل السحري لتقوية الكفايات وترسيخ القيم. وكأن مشكلتنا مع الأجيال الصاعدة تكمن في افتقارهم إلى حركات راقصة إبداعية، لا إلى تحصيل معرفي سليم أو تربية أخلاقية متماسكة.
الأدهى أن القرار جاء في سياق متوتر تعيشه المدرسة المغربية، عنوانه الأبرز: عنف غير مسبوق يمارسه التلاميذ ضد الأساتذة، وتململ اجتماعي داخل الأسرة التعليمية، ونزيف مستمر نحو التعليم الخصوصي. ومع ذلك، اختارت الوزارة أن “تُرقص” الأزمة بدل أن تُعالِجها.
لا أحد يُنكر أهمية الفنون في تنمية شخصية المتعلم، لكن حين تتحول السياسة التعليمية إلى مهرجان “أداءات فنية” بدل مشروع وطني لإنقاذ المدرسة، فإننا نُغامر بما تبقى من الأمل في جيل قادر على التغيير.
ولأن لكل عصر راقصوه، يبدو أن المدرسة العمومية على موعد مع زمن جديد: زمن “التربية بالحركات”، بعد أن عجزنا عن إرساء التربية بالقيم.






