المجلس الاقتصادي ينتقد: مشروع قانون المسطرة الجنائية.. عيوب و نواقص جديدة

في خضم جدل اجتماعي وسياسي محموم، ألقى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بقنبلة من العيار الثقيل في وجه مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد. فبدلاً من أن يكون طوق نجاة للعدالة، يبدو أن المشروع الوليد يحمل في طياته عيوباً ونواقص تنذر بعواقب وخيمة، حسب تقرير المجلس الصادر حديثاً في عهدة عبد القادر أعمارة.
عبّر التقرير عن دهشته من غياب أي دراسات معمقة تبرر هذا التعديل الجذري، متسائلاً عن الدوافع الحقيقية وراء هذا “الزلزال التشريعي”. والأدهى من ذلك، يكشف المجلس أن التعديلات المقترحة تطال أكثر من نصف مواد القانون الحالي، وهو ما يثير مخاوف جدية حول تماسكه وسهولة فهمه وتطبيقه. فهل نحن أمام قانون جديد يحمل اسماً قديماً، أم مجرد ترقيعات فوضوية ستزيد الطين بلة في أروقة المحاكم؟
استنكر المجلس بشدة تضمين مشروع القانون الجديد لعقوبات وأحكام سجنية وغرامات، مؤكداً على الطبيعة الإجرائية البحتة لقانون المسطرة الجنائية. فالعقوبات، حسب رأي المجلس، يجب أن تجد لها مكاناً حصرياً في القانون الجنائي، ضماناً للوضوح وحماية لحقوق الإنسان. فهل يُعقل أن يتحول قانون الإجراءات إلى ساحة لتحديد العقوبات، في سابقة خطيرة تهدد مبادئ العدالة؟
وجه التقرير سهام نقده الحادة نحو المادة الثالثة المثيرة للجدل، التي تمنع جمعيات حماية المال العام من تحريك الدعوى العمومية بناء على طلبها. واعتبر المجلس هذا التقييد ضربة موجعة لدور المجتمع المدني في الرقابة ومحاربة الفساد، وتناقضاً صارخاً مع الدستور والقانون الجنائي نفسه الذي يعاقب على عدم التبليغ عن الجرائم. فهل يُراد تكميم أفواه الجمعيات التي تسعى لكشف المستور وحماية المال العام؟
ولم تسلم المادة السابعة من سهام الانتقاد، حيث رفض المجلس اشتراط الحصول على إذن من وزارة العدل لانتصاب الجمعيات كطرف مدني في القضايا الزجرية. واعتبر ذلك قيداً إضافياً يعرقل دور المجتمع المدني ويناقض التوجهات الدستورية نحو تعزيز المشاركة المواطنة. فهل الهدف هو إضعاف قدرة المجتمع المدني على المساهمة في تحقيق العدالة؟
أبدى خبراء المجلس استياءهم الشديد من الغياب شبه التام لأي إجراءات خاصة بحماية المرأة كضحية أو شاهدة أو حتى متهمة، فضلاً عن تجاهل تام للإجراءات الواجب اتباعها في الجرائم البيئية الخطيرة. فهل يعقل أن يغفل قانون بهذا الحجم فئات ومواضيع ذات أهمية قصوى تهدد استقرار المجتمع وحقوق الإنسان والبيئة؟
في الختام، يبدو أن مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات. فهل سيستمع صناع القرار إلى هذه التحذيرات الصريحة ويقومون بمراجعة جذرية لهذا المشروع المعيب، أم أننا سنشهد ولادة قانون “مشوه” يهدد أسس العدالة الجنائية في البلاد؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.






