قضايا

التقاعد في المغرب… ملف عابر للحكومات وحكومة أخنوش تغادر دون حسم ورش مؤجل

في خطوة تعكس حجم الحرج الذي يطوق واحداً من أكثر الأوراش الاجتماعية حساسية، استجابت الحكومة لطلب المركزيات النقابية بتأجيل اجتماع اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح التقاعد، الذي كان مرتقباً في 6 أبريل، إلى ما بعد جولة الحوار الاجتماعي المنتظر انطلاقها يوم 17 من الشهر ذاته، في مؤشر جديد على استمرار منطق التريث في تدبير ملف ظل لسنوات طويلة عنواناً للتردد السياسي وتراكم التأجيلات.

هذا التأجيل، الذي يأتي في سياق إعادة ترتيب أولويات التفاوض بين الحكومة وشركائها الاجتماعيين، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام الذي يطبع مسار إصلاح التقاعد في المغرب، حيث تحول هذا الورش إلى ملف عابر للحكومات، تعاقبت عليه مختلف التجارب السياسية دون أن تملك الجرأة الكافية لحسمه بشكل جذري، مكتفية بإجراءات جزئية أو بترحيله إلى ولايات لاحقة، في ظل كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة لأي إصلاح عميق.

منذ أواخر التسعينيات، ومع بداية التحذيرات الأولى خلال حكومة التناوب، كانت المؤشرات واضحة بشأن اختلالات بنيوية تهدد استدامة أنظمة التقاعد، سواء على المستوى الديمغرافي أو المالي، غير أن تلك التحذيرات لم تتحول إلى قرارات حاسمة، حيث طغت الحسابات السياسية والخشية من ردود الفعل الاجتماعية، ما أسس لمرحلة طويلة من “تدبير الأزمة بدل حلها”.

وقد تعمقت هذه الاختلالات مع مرور الزمن، بفعل تراجع نسبة المساهمين مقابل ارتفاع عدد المتقاعدين، في سياق يتميز بتسارع شيخوخة السكان، إلى جانب تعددية الأنظمة وتفاوتها، وضعف حكامة تدبير احتياطياتها، وهو ما جعل بعض الصناديق، وعلى رأسها الصندوق المغربي للتقاعد، تواجه ضغطاً متزايداً يهدد توازنها المالي على المدى المتوسط.

ورغم أن حكومة عبد الإله بنكيران أقدمت سنة 2016 على تمرير إصلاح مقياسي شمل رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات، إلا أن ذلك التدخل ظل محدود الأثر، إذ لم يمس جوهر الاختلالات الهيكلية، بل اقتصر على تأجيل الأزمة، وهو النهج الذي استمر خلال حكومة سعد الدين العثماني دون تحقيق تحول نوعي في هذا الورش.

أما الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش، فقد دخلت ولايتها بشعار “الدولة الاجتماعية”، وجعلت من إصلاح التقاعد أحد أعمدتها المعلنة، غير أن المسار الفعلي كشف عن استمرار نفس المقاربة القائمة على التأجيل وربط الملف بالحوار الاجتماعي، ما حوله إلى ورش مفتوح دون أفق زمني واضح للحسم.

ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يتأكد أن هذا الملف مرشح لأن يكون مرة أخرى عابراً لحكومة جديدة، بعدما عجزت الحكومة الحالية عن الانتقال من مرحلة التشخيص والتشاور إلى مرحلة القرار والتنزيل، وهو ما يعكس، في نظر متتبعين، غياب الإرادة السياسية الكافية لتحمل كلفة الإصلاح، مقابل تفضيل كسب “سلم اجتماعي مؤقت” على حساب تعقيد الأزمة مستقبلاً.

وتزداد خطورة هذا الوضع في ظل المعطيات الديمغرافية المقلقة، حيث تشير تقديرات المندوبية السامية للتخطيط إلى تسارع وتيرة شيخوخة السكان، مع ارتفاع عدد المغاربة البالغين 60 سنة فما فوق، مقابل ضعف توسيع قاعدة المساهمين، خاصة في ظل استمرار اتساع القطاع غير المهيكل، ما يفاقم الضغط على أنظمة تعتمد أساساً على مبدأ التوزيع.

كما أن استمرار النقاش في نفس السيناريوهات التقليدية، المتمثلة في رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات، دون معالجة عمق الإشكال المرتبط بالحكامة وتوحيد الأنظمة وتوسيع قاعدة الانخراط، يكرس مقاربة جزئية لا ترقى إلى مستوى التحديات المطروحة، ويغذي رفضاً اجتماعياً واسعاً لأي إصلاح يُنظر إليه كعبء إضافي على الأجراء.

وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد الإشكال تقنياً بقدر ما أصبح سياسياً بامتياز، حيث تتقاطع رهانات الاستقرار الاجتماعي مع متطلبات التوازن المالي، في معادلة معقدة ظلت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن حلها، مكتفية بتأجيل المواجهة.

ومع اقتراب أفق 2028، الذي يُطرح كموعد حرج لاحتمال نفاد احتياطيات بعض الصناديق، فإن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام هامش زمني ضيق لاتخاذ قرارات حاسمة قد تكون أكثر كلفة، سواء من الناحية الاجتماعية أو السياسية، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى استمرار منطق الترحيل.

و يعكس مسار إصلاح التقاعد في المغرب صورة مكثفة لأزمة القرار العمومي، حيث تتوفر كل عناصر التشخيص، وتتراكم التحذيرات، دون أن تواكبها جرأة سياسية كافية للحسم، ليبقى هذا الملف شاهداً على فشل حكومي متكرر في تدبير ورش استراتيجي، وعلى واقع سياسي يؤجل الحلول بدل مواجهتها، في انتظار محطة حكومية جديدة قد تجد نفسها أمام نفس المأزق، لكن بكلفة أعلى وضغط أكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى