سياسة

البرلمانية الممثلة فاطمة خير.. من خطاب التزلف إلى محاولة تكميم أفواه الصحافة

يبدو أن الممثلة السابقة والبرلمانية الحالية فاطمة خير ما زالت لم تغادر بعد خشبة المسرح، وإن غيّرت الإضاءة من كشافات التصوير إلى ميكروفونات البرلمان. فبعدما أطربتنا سابقاً بخطابات التمجيد والتزلف بتجمع حزبها داخل قبة مجلس النواب، خرجت علينا اليوم بحديث “مهيب” عن الأخلاق والمهنية، داعيةً إلى تحصين قطاع الصحافة والإعلام من الانزلاقات الأخلاقية وغير المهنية، خصوصاً في المنصات الرقمية.

جميل هذا الخطاب.. لولا أنه صادر عن من جعلت من “التمثيل” أسلوباً دائماً، سواء على الشاشة أو تحت القبة!

لم يكن أحد يتوقع أن تتحوّل فاطمة خير من بطلة المسلسلات الاجتماعية إلى بطلة في “دراما البرلمان”، تؤدي فيها أدواراً لا تختلف كثيراً عن سابقاتها في التلفزيون، سوى في نوع النص والديكور.

فمشهدها وهي تمطر رئيس حزبها عبارات التبجيل والتصفيق الحار، لا يختلف كثيراً عن أي مشهد تمثيلي مُتقن. لكن حين يتحول هذا الأداء إلى خطاب سياسي يُراد له أن يُدرّس في الأخلاق والنزاهة الإعلامية، يصبح الأمر أقرب إلى العبث.

من يتحدث عن “الانزلاقات الأخلاقية” يجب أولاً أن يسائل نفسه عن انزلاقات النفاق السياسي، وعن تلك اللحظات التي يُرفع فيها الصوت لا لخدمة الوطن، بل لخدمة الزعيم.

تصريحات فاطمة خير الأخيرة لم تأتِ في سياق عبثي. فالصحافة الرقمية المغربية أصبحت اليوم عيناً مزعجة لكثير من السياسيين الذين اعتادوا على الأضواء الموجهة لا الكاميرات الحرة.

فهل المقصود من “تحصين الإعلام” هو فعلاً حماية الأخلاق المهنية، أم ترويض المنصات التي كشفت كثيراً من ملفات التناقض والمصالح داخل الأحزاب؟

الصحافة لا تحتاج إلى وصاية من ممثلة، بل إلى تشريعات حقيقية تحميها من المتابعة والترهيب والابتزاز السياسي. أما الحديث عن “المصداقية” من على منبر منتحل للأدوار، فهو كمن يعظ الناس عن الصدق بينما يحمل في جيبه نصاً مكتوباً مسبقاً.

فاطمة خير، التي استفادت من وهج الإعلام والشهرة، تعود اليوم لتضع نفسها في موقع الواعظة الأخلاقية ضد “الانزلاقات الإعلامية”، ناسِية أن من صنع اسمها هو هذا الإعلام نفسه الذي تسعى اليوم إلى تقييده.

هي تريد من الصحافة أن تكون “مؤدبة”، أي صامتة، مطيعة، لا تكتب إلا ما يروق للحزب، ولا تنشر إلا ما يُطرب المسؤول.

لكن الإعلام ليس كومبارساً في مسرحيتها السياسية الجديدة، بل سلطة رقابية تمارس دورها المشروع في فضح التناقضات ومساءلة الخطاب الشعبوي المتلوّن.

الحديث عن الأخلاق المهنية في الإعلام مطلوب، لكن حين يأتي من فم سياسي مارس التزلف ببلاغة فنية، يصبح مثيراً للسخرية أكثر من الإعجاب.

فلا يمكن للخطاب أن يكون “نزيهاً” حين تصاحبه المزايدة، ولا أن يكون “أخلاقياً” حين يُراد به إسكات النقد تحت شعار “التحصين”.

من السهل أن تلقي الدروس، لكن الصعب أن تُجسّدها في السلوك السياسي اليومي، في الموقف، في الجرأة على قول الحقيقة لا ترديد النصوص.

ما قالته فاطمة خير قد يُبهِر من لا يعرف التاريخ القريب، لكنه لا يخدع من شاهدها وهي تؤدي “دور المصفقة” في البرلمان، بملامح فنية أكثر منها سياسية.

إن من ينتقل من خطاب التزلف إلى دعوة تكميم الصحافة لا يبحث عن الإصلاح، بل عن مزيد من التحكم في الكلمة الحرة.

والصحافة التي تريدها فاطمة خير “نزيهة” هي تلك التي لا تكتب إلا بإذن المايسترو الحزبي.

لكن،

للأسف — البرلمان ليس استوديو تصوير،

والسياسة ليست مسلسلاً…

ولا يمكن خداع المشاهدين كل مرة بنفس الأداء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى