الاستثمار الجهوي في المغرب: إصلاح مرتقب يعيد تموقع المراكز الجهوية كمحرك للمقاولات الصغرى

في خطوة استراتيجية تعكس توجها جديدا في هندسة الاستثمار العمومي والخاص بالمغرب، كشف كريم زيدان، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية، أن مشروع قانون إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار لم يعد يكتفي بتيسير المساطر، بل بات يروم لعب دور محوري في توجيه وتحفيز النسيج المقاولاتي الوطني، خاصة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وفق رؤية ترابية تستند إلى مبادئ الجهوية المتقدمة.
هذا التوجه الجديد لا ينفصل عن التحول الذي تشهده سياسات الاستثمار العمومي في المغرب، حيث يتم الدفع بالمجال الجهوي ليكون قاطرة للإقلاع الاقتصادي، وليس مجرد فضاء لتنزيل القرارات المركزية. فبموجب الإصلاح الجديد، لم تعد المراكز الجهوية للاستثمار مجرد مؤسسات للتوجيه الإداري، بل فاعلاً تنفيذياً مباشراً في سياسات دعم وتمويل المقاولات، من خلال إسناد تفعيل نظام الدعم الخاص إليها.
ويُسند مشروع القانون دوراً محورياً أيضاً للّجان الجهوية الموحدة للاستثمار، التي ستصبح بمثابة “العقل التنسيقي” للإدارات الجهوية، حيث ستتولى المصادقة على مشاريع اتفاقيات الاستثمار المرتبطة بالنظام الجديد للدعم، بما يمنحها صلاحيات تقريرية واسعة، ويفرض في المقابل إعادة ضبط آليات الحكامة وتنسيق المصالح بين مختلف الفاعلين المحليين.
هذا الإصلاح يعكس وعياً رسمياً متزايداً بأن تحقيق النجاعة في الاستثمار لن يتم من خلال القوانين فقط، بل عبر تمكين الجهات من الوسائل والاختصاصات التي تخولها التأثير الفعلي على النسيج الاقتصادي المحلي. فالمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، التي تمثل أكثر من 90% من النسيج المقاولاتي المغربي، تعاني تاريخياً من ضعف في الولوج إلى التمويل والدعم المؤسساتي، ناهيك عن العراقيل الإدارية والبيروقراطية التي ترهق مساراتها.
ويبدو أن الدولة تراهن على هذا الإصلاح ليكون رافعة لتقليص هذه الفجوة، ووسيلة لتحفيز الاستثمار الترابي، الذي يراعي خصوصيات الجهات ويستثمر في إمكاناتها البشرية والطبيعية، بدل اعتماد نموذج موحد متمركز في الرباط أو الدار البيضاء.
غير أن نجاح هذه الرؤية يبقى رهينا بعنصرين أساسيين: أولاً، توفير الموارد البشرية المؤهلة داخل المراكز الجهوية للاستثمار، وثانياً، تمكينها من سلطة حقيقية للتنسيق والتتبع دون الخضوع لمنطق “الهاجس الأمني” أو “التحكم المركزي” الذي كثيراً ما عرقل مشاريع التنمية الترابية.
بالمجمل، يبدو أن مشروع قانون إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار ليس مجرد تعديل تقني، بل هو حلقة جديدة في مسار تنزيل فعلي للجهوية المتقدمة، بواجهة اقتصادية هذه المرة. فهل ينجح المغرب في تحقيق توازن فعلي بين المركز والجهات؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.






