احتجاجات جيل Z تتهاوى في الميدان: صخب رقمي… وصمت شوارع!

كشفت الوقفات الاحتجاجية التي نظمها شباب ما بات يُعرف إعلامياً بـ”جيل Z” مساء أمس الخميس، عن تراجع واضح في الزخم التعبوي الميداني، بعدما اقتصرت التحركات على ثلاث مدن فقط هي الرباط والدار البيضاء وطنجة، وبأعداد قليلة وصفها المتتبعون بـ”المحتشمة” مقارنة بالشعارات النارية والوعود التي سبقت الموعد عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فالصور والفيديوهات القادمة من مواقع الوقفات أظهرت مجموعات صغيرة متفرقة، غابت عنها قوة التنظيم والانسجام الميداني، وحضر فيها التردد أكثر من الحناجر المرفوعة. وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل دخل هذا الحراك مرحلة الأفول قبل أن يشتد عوده؟ أم أنه مجرد تعثر تنظيمي في انتظار مراجعة الذات؟
ورغم أن القائمين على الحشد عبر غرف “ديسكورد” و”تليغرام” و”إنستغرام” نجحوا في تجميع عشرات الآلاف من المتفاعلين رقمياً، إلا أنهم فشلوا في نقل نفس التأثير إلى أرض الواقع. ليظهر الفارق جلياً بين “ثورة الهاشتاغات” و”حقيقة الشارع”. ولعل ما غاب عن هؤلاء هو أن النضال الميداني لا يُبنى بالمشاعر الافتراضية ولا بخطابات المتحمسين خلف الشاشات، بل بصمود التنظيمات الحقيقية وتجذر الفعل النضالي داخل المجتمع، عبر أحزاب أو نقابات أو قوى مدنية تمتلك رؤية وهيكلة واستراتيجيات.
وفي المقابل، لم يكن من الممكن تجاهل الشعارات التي رفعتها تلك الوقفات، والتي لامست في جوهرها انتظارات اجتماعية صنعت مزاجاً احتجاجياً منذ سنوات: إصلاح الصحة والتعليم، مكافحة الفساد والزبونية، توفير الشغل للشباب، إصلاح منظومة العدالة، ومحاربة الريع والمصالح الخاصة التي نخرت عدداً من القطاعات. كما طالب بعض المحتجين بتنحية وزراء فشلوا في مهامهم الحكومية، وباتت حقائبهم الوزارية “بقع توتر اجتماعي” عجزت عن الاستجابة لنبض الشارع أو تحقيق الحد الأدنى من الإنجاز الحكومي.
غير أن المشكلة الحقيقية لهذا الحراك الشبابي تكمن في غياب القيادة والرؤية والآليات الديمقراطية الداخلية، إضافة إلى ضبابية الخلفيات حول الجهات الداعمة له، وهو ما فتح المجال أمام كثير من التأويلات:
-
هل نحن أمام حراك عفوي فعلاً ولد من رحم السخط الاجتماعي؟
-
أم أنه تم توجيهه واستثماره سياسياً في سياق تصفية حسابات بين قوى تبحث عن توازنات قادمة؟
-
أم أن “جيل Z” يريد فعلاً صناعة تحول جديد في المعادلة السياسية لكنه سقط في فخ العشوائية والتنظيم الهش؟
ثمّة من يرى أن ما حدث مساء أمس ليس نهاية الحراك، بل مجرد منعطف أول سيفرض على القائمين عليه إعادة بناء أدوات التعبئة والخروج من الشعارات الإنشائية نحو برنامج واقعي يضع الإصلاحات الاجتماعية في قلب مشروع وطني جامع. بينما يرى آخرون أن الفقاعة الرقمية انفجرت وأن “جيل زيد” كان أكثر ضحية لمنصات التواصل الاجتماعي التي صنعت وهماً بوجود قوة تغييرية غير موجودة في الواقع.
وفي كل الأحوال، فإن ما وقع يطرح أسئلة عميقة على الدولة والحكومة معاً: إذا كان هذا الجيل قد أحبط سريعاً في أول امتحان ميداني، فمن المسؤول؟ هل هي خيبات المدرسة العمومية؟ هل هو انسداد الأفق الاجتماعي والاقتصادي؟ أم عطب الوساطة السياسية وغياب الأحزاب القادرة على تمثيل مطالب الشباب والدفاع عنها داخل المؤسسات؟
إن المطلب الاجتماعي اليوم لم يعد مجرد احتجاجات ظرفية، بل ضرورة إصلاحية ملحة. فإذا انسحب الشباب من الشارع اليوم، فلن ينسحب الإحباط من قلوبهم. وإذا خفتت الحناجر، فلن يخفت سؤال العدالة الاجتماعية والكرامة والفرص المتكافئة. وهنا تكمن خطورة تجاهل رسائل الشارع حتى لو جاءت ضعيفة… فقد تكون الهدنة مؤقتة فقط.






