اقتصاد

شروط جغرافية تضع صفقات مؤسسات عمومية أمام افتحاص المفتشية العامة للمالية

باشرت مصالح المفتشية العامة للمالية عمليات افتحاص وتدقيق همّت عدداً من المؤسسات والمقاولات العمومية، في إطار مراجعة مجموعة من الصفقات وطلبات العروض التي أثارت ملاحظات مرتبطة بشروط المنافسة وكيفية تدبير مساطر إسناد صفقات الأشغال والخدمات.

وتتركز عمليات التدقيق، وفق المعطيات المتوفرة، على ملفات شهدت إلغاء بعض طلبات العروض أو تعليق سندات طلب وإعادة إطلاق عدد منها، بعدما أثيرت تساؤلات بشأن شروط أدرجت في وثائق المنافسة، من بينها اشتراط توفر المقاولات المتقدمة على حضور أو وجود فعلي داخل المنطقة أو الجهة التي ستنجز فيها المشاريع موضوع التعاقد.

وأثار هذا النوع من الشروط نقاشاً حول مدى ارتباطه بالحاجيات الحقيقية للمشاريع، خصوصاً عندما يؤدي اعتماد معيار الحضور الجغرافي إلى تقليص عدد المقاولات القادرة على المشاركة في المنافسة، رغم توفر شركات من جهات أخرى على الإمكانيات البشرية والتقنية والمالية اللازمة لتنفيذ الأشغال أو الخدمات المطلوبة.

وتتجه مهام المفتشية العامة للمالية، بحسب المعطيات المتاحة، إلى فحص الأساس الذي استندت إليه المؤسسات العمومية المعنية في اعتماد الشروط الجغرافية، ومدى ضرورتها وتناسبها مع طبيعة كل صفقة، إلى جانب دراسة تأثيرها على مبدأ المنافسة وتكافؤ فرص الولوج إلى الطلب العمومي.

كما شملت عملية التدقيق، وفق المصادر نفسها، دراسة الشكايات والتظلمات التي تقدمت بها مقاولات اعتبرت نفسها متضررة من بعض شروط المنافسة، حيث جرى الاطلاع على وثائق طلبات العروض والملفات التقنية والإدارية المرتبطة بها، مع طلب توضيحات من المسؤولين عن المؤسسات المعنية بشأن دوافع اعتماد الحضور الجغرافي ضمن شروط المشاركة.

وتربط بعض التبريرات المقدمة من جانب المسؤولين بهذه الشروط بتجارب سابقة مع مقاولات فازت بصفقات دون أن يكون لها وجود محلي، قبل أن تواجه صعوبات في توفير فرق العمل والوسائل التقنية واللوجستية في مواقع تنفيذ المشاريع، وهو ما انعكس، في بعض الحالات، على آجال الإنجاز وجودة تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

غير أن المفتشين وسعوا نطاق التدقيق إلى التحقق مما إذا كانت هذه التجارب تبرر اعتماد شرط جغرافي مسبق في جميع الحالات، أم أن طبيعة بعض الصفقات تسمح للمقاولات بنقل مواردها البشرية وتجهيزاتها إلى مواقع تنفيذ المشاريع دون الحاجة إلى امتلاك مقر أو حضور دائم في الجهة المعنية.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ضوء مقتضيات المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، الذي يتيح، بالنسبة إلى صفقات الخدمات، أخذ تواجد المتنافس في الجهة المعنية بالمشروع بعين الاعتبار عند الاقتضاء. وهو ما يجعل اعتماد المعيار الجغرافي مرتبطاً بطبيعة الخدمة والحاجة الفعلية إليه، وليس شرطاً عاماً يمكن تطبيقه بصورة آلية على مختلف الصفقات.

وامتد الفحص كذلك إلى ملابسات إلغاء بعض طلبات العروض وإعادة طرحها من جديد، خصوصاً عندما تسببت شروط المنافسة في صعوبات حالت دون استمرار المسطرة في صيغتها الأولى، وهو ما انعكس على برمجة الطلبيات العمومية وعلى آجال إطلاق وتنفيذ عدد من المشاريع.

كما دخلت سندات طلب ضمن نطاق التدقيق، بعدما جرى تعليق بعضها في انتظار معالجة الملاحظات المسجلة وإعادة النظر في بعض شروط الاستشارة، بما يضمن وضوح قواعد المنافسة وتوسيع دائرة المقاولات المؤهلة للمشاركة متى كانت تتوفر على القدرات المطلوبة لتنفيذ الالتزامات.

ويأتي هذا التدقيق في سياق تزايد الاهتمام بحكامة الطلب العمومي، باعتباره مجالاً يرتبط بحجم مهم من الاستثمارات العمومية وبمبدأ ضمان المنافسة والشفافية والنجاعة في إنجاز المشاريع.

وتبقى الخلاصات النهائية لهذه المهام رهينة بما ستسفر عنه عمليات الافتحاص ودراسة الوثائق والتوضيحات المقدمة من المؤسسات المعنية، وما إذا كانت الشروط المعتمدة في الملفات موضوع التدقيق تستند إلى مبررات مرتبطة فعلاً بطبيعة الخدمات والأشغال، أم أنها شكلت قيوداً غير متناسبة على المنافسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى