اقتصاد

الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس.. استثمارات بالمليارات وحكامة جديدة تعيد بناء خدمات الماء والكهرباء والتطهير بالجهة

لم تعد الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس مجرد تجربة إدارية جديدة في تدبير المرافق العمومية، بل بدأت تتحول، في ظرف زمني قصير، إلى ورش جهوي كبير لإعادة بناء منظومة الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، من خلال برنامج استثماري يمتد إلى مختلف أقاليم الجهة، ويراهن على تحديث الشبكات، تحسين مردوديتها، تقوية البنيات التحتية، وتأمين استمرارية وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وتكشف الأرقام المعلنة عن حجم هذا التحول؛ فقد صادق المجلس الإداري للشركة على مخطط استثماري متعدد السنوات للفترة 2026-2030 تصل قيمته إلى حوالي 9.9 ملايير درهم، فيما تتجاوز الاعتمادات الاستثمارية المبرمجة برسم سنة 2026 وحدها ملياري درهم، موزعة على قطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل ومشاريع مشتركة مرتبطة بتطوير المرافق والخدمات.

وإذا كانت هذه الأرقام تعكس حجم الطموح، فإن المشاريع التي بدأت تنزل على الأرض تقدم مؤشرات أكثر دلالة على طبيعة التحول الذي تعرفه الجهة، إذ انتقلت المقاربة من التدخل الظرفي لمعالجة الأعطاب إلى اعتماد الاستثمار الاستباقي وتقوية الشبكات وتأهيل المنشآت والاستعداد للحاجيات المستقبلية.

أكثر من 36 مليون درهم لتقوية شبكة الماء بفاس

في العاصمة العلمية، رصدت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس غلافاً مالياً يتجاوز 36 مليون درهم لإنجاز مجموعة من المشاريع والتدخلات الميدانية الرامية إلى تجديد وتقوية شبكة توزيع الماء الصالح للشرب.

وتشمل هذه الاعتمادات حوالي 19.8 مليون درهم للأشغال الكبرى المتعلقة بتأهيل وتقوية الأجزاء الرئيسية للشبكة، ونحو 11.8 مليون درهم لأعمال الصيانة وإصلاح التجهيزات المتضررة، فضلاً عن أكثر من 4.3 ملايين درهم لإعادة تأهيل شبكة توزيع الماء بالجزء الغربي من المدينة العتيقة.

ولا تكتسي هذه المشاريع أهميتها فقط من حجم الاعتمادات المرصودة لها، وإنما من طبيعة المناطق والمنشآت المستهدفة، باعتبار أن تجديد الشبكات وتقليص الأعطاب والحد من ضياع المياه أصبح جزءاً أساسياً من معركة الأمن المائي وتحسين جودة الخدمة داخل المدن الكبرى.

من فاس إلى تازة وتاونات.. استثمار جهوي لا مشروعاً محلياً

قوة تجربة الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس تكمن في كونها لا تشتغل بمنطق المشاريع المعزولة، وإنما وفق تصور جهوي يربط بين الاستثمار في الماء والكهرباء والتطهير السائل، ويضع تقليص الفوارق المجالية وتعميم الخدمات الأساسية ضمن الأولويات.

ويبرز إقليم تازة كأحد الأمثلة الواضحة على هذا التوجه، بعدما تم تخصيص حوالي 538 مليون درهم برسم سنة 2026 لمشاريع الماء والكهرباء والتطهير السائل، منها 77 مليون درهم للماء الصالح للشرب، و329 مليون درهم للتطهير السائل، و132 مليون درهم للكهرباء.

وهي اعتمادات ضخمة تعكس انتقال الشركة إلى مستوى آخر من الاستثمار، خصوصاً في إقليم يحتاج إلى تقوية البنيات الأساسية وتوسيع الاستفادة من الخدمات، لاسيما في المناطق القروية.

وفي تاونات، تتجاوز الاستثمارات المبرمجة برسم 2026 459 مليون درهم، موزعة بين الماء الصالح للشرب بحوالي 85.9 مليون درهم، والتطهير السائل بنحو 300 مليون درهم، والكهرباء بأكثر من 73 مليون درهم.

وهنا تظهر إحدى أبرز رهانات الشركة: ألا تظل الاستثمارات مركزة في المراكز الحضرية، بل تمتد إلى المجالات القروية والمناطق التي ظلت تعاني تاريخياً من محدودية البنيات والتجهيزات الأساسية.

التطهير السائل.. الشركة تدخل مرحلة معالجة المياه وتثمينها

إذا كان قطاع الماء الصالح للشرب يحتل موقعاً متقدماً في برامج الشركة، فإن التطهير السائل يشكل بدوره أحد أكبر الأوراش التي يجري الاشتغال عليها.

والرهان لم يعد يقتصر على التخلص من المياه العادمة، وإنما أصبح مرتبطاً بمعالجتها وتثمينها وإعادة استعمالها، في سياق وطني يضع الأمن المائي والاقتصاد في استعمال المياه ضمن الأولويات.

وفي مكناس، يجري تنفيذ ورش استثماري يتجاوز 211 مليون درهم لتحديث منشآت التطهير السائل، بهدف تطوير معالجة المياه العادمة وتحويلها إلى مورد قابل لإعادة الاستعمال، خصوصاً في سقي المساحات الخضراء والحدائق الحضرية، إلى جانب تثمين الحمأة الناتجة عن عمليات المعالجة.

وتتجه أشغال إعادة تأهيل منشآت محطة معالجة المياه العادمة بمكناس إلى رفع قدرتها إلى حوالي 48 ألف متر مكعب يومياً، مع إحداث وحدة جديدة تعتمد تقنية الحمأة المنشطة بطاقة تصل إلى 5 آلاف متر مكعب يومياً.

وهذا النوع من المشاريع يعكس تحولاً مهماً في فلسفة تدبير الماء داخل الجهة: المياه العادمة لم تعد تُنظر إليها فقط باعتبارها عبئاً بيئياً، بل باعتبارها مورداً يمكن معالجته وإعادة استعماله، خصوصاً في سقي المساحات الخضراء، بما يخفف الضغط على المياه الصالحة للشرب.

تازة تستعد لمحطة جديدة لمعالجة المياه العادمة بـ353 مليون درهم

وفي تازة، يتخذ ورش التطهير السائل بعداً أكبر، مع مشروع لإنجاز محطة جديدة لمعالجة المياه العادمة باستثمار يناهز 353.57 مليون درهم.

ويهدف المشروع إلى الرفع من قدرات معالجة المياه وتحسين جودة المياه المصرفة، مع إمكانية إعادة استعمال جزء من المياه المعالجة، كما يشمل تصميم وإنجاز المحطة ثم استغلالها وصيانتها لمدة خمس سنوات، بما يضمن استمرارية أدائها واحترام المعايير التقنية والبيئية.

وتشكل هذه المنشأة، إلى جانب المشاريع المبرمجة في مكناس والحاجب وإفران وغيرها، جزءاً من شبكة متنامية لمحطات معالجة المياه العادمة على مستوى الجهة.

ففي الحاجب، دخلت محطة معالجة المياه العادمة الخدمة ضمن مشروع تجاوزت كلفته 60 مليون درهم، بطاقة معالجة يومية تفوق 3100 متر مكعب، وتستهدف ساكنة مكافئة تقدر بأكثر من 40 ألف نسمة، مع إمكانية الاستفادة من المياه المعالجة في الري وبعض الاستخدامات الأخرى.

كما تشتغل الشركة على منشآت معالجة قائمة، من بينها محطة إفران، التي أصبحت أيضاً فضاءً تقنياً وتكوينياً يتيح للطلبة والمهندسين الاطلاع على مراحل معالجة المياه وتقنيات المراقبة والتحكم.

الكهرباء.. تحديث الشبكات وتأمين الاستمرارية

ولا تنحصر الاستثمارات في الماء والتطهير السائل.

فقطاع الكهرباء يحظى بدوره باعتمادات مهمة ضمن المخطط الجهوي، سواء من خلال تقوية شبكات التوزيع، وتأهيل المنشآت، وتحسين موثوقية الإمداد، أو مواكبة التوسع العمراني والاقتصادي الذي تعرفه مختلف أقاليم الجهة.

وتظهر المعطيات الخاصة بتازة، على سبيل المثال، تخصيص 132 مليون درهم للكهرباء خلال سنة 2026، فيما تشمل برامج الشركة مشاريع مرتبطة بتأهيل المنشآت الكهربائية وتقوية شبكات التوزيع ومواكبة حاجيات المواطنين والمقاولات والمناطق الصناعية والعمرانية.

كما تتضمن برامج الشركة تدخلات تقنية في منشآت الكهرباء بفاس، من بينها أشغال مرتبطة بمحطات المصدر والموزعات، وهو ما يبرز اتساع نطاق التدخل من الصيانة اليومية إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية.

الحكامة.. الرهان الذي يحدد نجاح التجربة

غير أن قوة الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات، وإنما أيضاً بطريقة تدبيرها.

فالانتقال إلى مؤسسة جهوية موحدة يفرض حكامة أكثر صرامة، وتنسيقاً دائماً بين الشركة ومجموعة الجماعات الترابية فاس-مكناس للتوزيع والسلطات الولائية والإقليمية والمجالس المنتخبة والمصالح التقنية.

وفي هذا السياق، شكلت اجتماعات المجالس الإدارية واللقاءات التشاورية الإقليمية آلية لتتبع البرامج الاستثمارية وربطها بالحاجيات الفعلية للسكان، بدل الاقتصار على إعداد البرامج داخل المكاتب.

وقد صادق المجلس الإداري، برئاسة والي جهة فاس-مكناس، على ميزانية 2026 والمخطط متعدد السنوات، مع التأكيد على تتبع تنفيذ المشاريع وضمان النجاعة في التدبير. كما جرى التشديد على أهمية الشراكة بين مختلف المتدخلين لضمان نجاح النموذج الجهوي الجديد.

وهذا البعد المؤسساتي مهم للغاية، لأن نجاح الشركة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن السلطات الإقليمية والجماعات الترابية، خصوصاً أن طبيعة الخدمات التي تقدمها مرتبطة بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين وبالتنمية الاقتصادية والعمرانية والبيئية.

النجاعة بدل التدبير بمنطق الأعطاب

المؤشر الأهم في التجربة الجديدة هو محاولة الانتقال من تدبير قائم على رد الفعل إلى تدبير يقوم على التخطيط والاستباق.

فبدل انتظار وقوع العطب، يتم الاستثمار في تجديد الشبكات وتقوية المنشآت؛ وبدل التعامل مع المياه العادمة كعبء، يجري الاستثمار في معالجتها وإعادة استعمالها؛ وبدل الاقتصار على المدن الكبرى، تتجه الاعتمادات إلى العالم القروي وتقليص الفوارق المجالية.

وهذا التحول ينسجم مع فلسفة الشركات الجهوية متعددة الخدمات التي تقوم على تجميع الخبرة والتدبير داخل مؤسسة واحدة، بما يسمح بتوحيد الرؤية وتقوية التنسيق والرفع من مردودية الاستثمارات.

والأرقام المبرمجة بين 2026 و2030، والتي تقارب 10 ملايير درهم، تعطي لهذا النموذج قدرة مالية واستثمارية لم تكن متاحة بالصيغة نفسها في السابق.

فاس ومكناس وتازة وتاونات.. ورش واحد بأولويات مختلفة

ما يميز تجربة فاس-مكناس هو اتساع مجالها الترابي وتنوع حاجياته.

فالعاصمة العلمية تحتاج إلى تجديد شبكات قديمة ومعقدة، ومكناس تحتاج إلى تحديث منظومة التطهير السائل وإعادة استعمال المياه المعالجة، وتازة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الماء والتطهير والكهرباء، بينما تفرض تاونات والمناطق القروية تحديات مرتبطة بتوسيع التغطية وتقليص الفوارق المجالية.

وهذا التنوع يجعل مهمة الشركة أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه يجعل نجاحها أكثر أهمية، لأن نجاح النموذج في هذه الجهة يمكن أن يقدم تجربة قابلة للتقييم والاستفادة على المستوى الوطني.

شركة جهوية أمام اختبار النتائج

لا شك أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس لا تزال في مرحلة بناء نموذجها وترسيخ آليات اشتغالها، ولذلك فإن الحكم النهائي على تجربتها يجب أن يرتبط بالنتائج الملموسة على الأرض: جودة الماء، استمرارية الكهرباء، سرعة التدخل، تقليص مدة الأعطاب، خفض ضياع المياه، تحسين شبكات التطهير، توسيع التغطية بالعالم القروي، والرفع من مستوى رضا المرتفقين.

لكن المؤشرات الاستثمارية الحالية تظهر بوضوح أن الشركة دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها الأساسي الاستثمار بدل الانتظار، التخطيط بدل التدبير الظرفي، والحكامة والنجاعة بدل تعدد المتدخلين وتشتت المسؤوليات.

وباستثمارات تقارب 10 ملايير درهم خلال خمس سنوات، وأكثر من ملياري درهم في سنة واحدة، ومشاريع تمتد من الماء والكهرباء إلى محطات معالجة المياه العادمة وإعادة استعمال المياه المعالجة، باتت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس واحدة من أهم الأوراش المؤسساتية والتنموية بجهة فاس-مكناس.

والتحدي الآن ليس في الإعلان عن المشاريع، وإنما في سرعة إنجازها وجودة تنفيذها، وفي تحويل هذه الاستثمارات إلى خدمة يومية أفضل للمواطن، وإلى بنية تحتية أكثر صموداً أمام الضغط السكاني والتغيرات المناخية، وإلى عدالة مجالية تجعل الماء والكهرباء والتطهير السائل خدمات أساسية متاحة بشكل عادل عبر مختلف تراب الجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى