سياسة

التوحيد والإصلاح تعود إلى واجهة الانتخابات.. هل يستعيد العدالة والتنمية خزانه الانتخابي بعد قطيعة 2021؟

عادت حركة التوحيد والإصلاح إلى واجهة المشهد السياسي المغربي، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بعدما وجهت دعوتها إلى أعضائها ومتعاطفيها وعموم المواطنين للمشاركة في الاستحقاق الانتخابي، واختيار من يرونه «الأقدر والأصلح» لتحمل المسؤولية، مع التشديد على حماية نزاهة الاقتراع والقطع مع المفسدين وسماسرة الانتخابات.

ورغم أن البلاغ الأخير للحركة لم يذكر اسم حزب العدالة والتنمية بشكل مباشر، فإن توقيت الدعوة ومضمونها أعادا إلى الواجهة سؤالاً سياسياً ظل حاضراً منذ انتخابات 2021: هل تعود الحركة إلى لعب دورها التاريخي في تعبئة جزء من القاعدة الانتخابية القريبة من «المصباح»، أم أن العلاقة بين الطرفين ما زالت محكومة بمسافة سياسية وتنظيمية فرضتها تحولات السنوات الماضية؟

فالحركة ليست تنظيماً هامشياً في تاريخ الإسلاميين المغاربة، بل تعد من أبرز الأطر الدعوية والتربوية التي نشأت داخلها أجيال من قيادات وأعضاء حزب العدالة والتنمية. ومع ذلك، فإن الطرفين يؤكدان رسمياً وجود تمايز وظيفي بين العمل الدعوي والمدني من جهة والعمل الحزبي والسياسي من جهة أخرى، وهو تمايز حاولت الحركة ترسيخه تنظيمياً منذ سنوات.

قوة تنظيمية ورصيد بشري يتجاوز الحسابات الحزبية

وتكتسب حركة التوحيد والإصلاح أهميتها من امتدادها التنظيمي والدعوي والاجتماعي، ومن شبكة الأعضاء والمتعاطفين والفعاليات المرتبطة بها، فضلاً عن حضورها في مجالات التربية والدعوة والعمل الجمعوي والثقافي.

وكانت تقديرات صحفية خلال انتخابات 2021 قد تحدثت عن أكثر من 20 ألف عضو في الحركة، إلى جانب شبكة واسعة من الجمعيات والفعاليات القريبة منها، وهو ما جعلها تُنظر، سياسياً وانتخابياً، باعتبارها خزانا بشرياً مؤثراً بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، رغم أن الحركة ترفض اختزال هويتها في وظيفة انتخابية أو اعتبارها مجرد جناح للحزب.

وهنا تكمن أهمية موقفها الحالي؛ فحين تدعو الحركة أعضاءها ومتعاطفيها إلى المشاركة، وتضع أمامهم معايير من قبيل الكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإنها تترك مساحة واسعة أمام قواعدها لاختيار المرشح الذي يرونه أقرب إلى هذه المعايير.

غير أن طبيعة العلاقة التاريخية مع العدالة والتنمية تجعل أي تحرك انتخابي للحركة محط متابعة سياسية، خصوصاً في ظل محاولة الحزب استعادة حضوره بعد زلزال انتخابات 8 شتنبر 2021.

2021.. عندما لم تتحرك الحركة لدعم «المصباح»

وتظل انتخابات 2021 نقطة التحول الأبرز في العلاقة بين الحركة والحزب.

فخلافاً لمحطات انتخابية سابقة، لم تعبّئ حركة التوحيد والإصلاح أعضاءها لدعم حزب العدالة والتنمية خلال انتخابات 2021، في سياق اتسم بتوتر واضح داخل القاعدة الإسلامية المحافظة بسبب عدد من الاختيارات والمواقف التي اتخذها الحزب خلال ولايته الحكومية.

وكان ملف استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية من أبرز أسباب التوتر، بعدما وقّع الأمين العام السابق للعدالة والتنمية ورئيس الحكومة آنذاك سعد الدين العثماني الاتفاق المتعلق باستئناف العلاقات مع إسرائيل في دجنبر 2020، وهو الموقف الذي أثار اعتراضات قوية داخل الحركة، التي كانت تتبنى موقفاً رافضاً للتطبيع.

كما حضرت في النقاش الداخلي ملفات أخرى، من بينها القانون المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، وملف لغات التدريس، وتعديلات القوانين الانتخابية، وهي ملفات ساهمت، بحسب شهادات قيادات من الحركة والحزب، في إضعاف الحماس للتعبئة الانتخابية لفائدة العدالة والتنمية.

واللافت أن قيادات الحركة أوضحت لاحقاً أن الأمر لم يكن قراراً رسمياً بمنع التصويت على العدالة والتنمية، وإنما عدم توجيه الأعضاء لدعمه وعدم النزول تنظيمياً للتعبئة لفائدته.

وقد وصف رئيس الحركة السابق أوس رمال الوضع بوضوح عندما أكد أن الحركة لم تصدر توجيهاً يمنع التصويت على الحزب، لكنها لم توجه أعضاءها لدعمه، وهو ما انعكس على مستوى التعبئة الانتخابية سنة 2021.

من 125 مقعداً إلى الانهيار.. سؤال الخزان الانتخابي

ولا يمكن فصل هذا الموقف عن النتيجة القاسية التي مني بها حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021، عندما تراجع من تصدر المشهد الحكومي إلى حضور برلماني محدود للغاية.

وقد أثارت تلك النتيجة، منذ إعلانها، نقاشاً واسعاً حول أسباب الانهيار الانتخابي، وهل كان الأمر نتيجة رفض شعبي واسع لأداء الحزب، أم نتيجة فقدان جزء مهم من قواعده الحزبية والدعوية للحماس الذي كان يميز مشاركاته السابقة.

وفي هذا السياق تحديداً، اكتسب موقف التوحيد والإصلاح أهمية استثنائية، باعتبار أن الحركة كانت تاريخياً أحد أهم مصادر التعبئة البشرية والفكرية القريبة من العدالة والتنمية.

لكن المعادلة اليوم تغيرت.

2026.. البلاغ لا يذكر «المصباح» ولكن الرسالة سياسية

في انتخابات 2026، اختارت الحركة صياغة أكثر عمومية.

فهي لم تدع صراحة إلى التصويت لصالح العدالة والتنمية، ولم تذكر الحزب في بلاغها الأخير، وإنما تحدثت عن المشاركة، والنزاهة، وتجديد النخب، وإفراز الكفاءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وقطع الطريق أمام المفسدين وسماسرة الانتخابات.

وهذه الصيغة تحمل أكثر من دلالة.

فمن جهة، تحافظ الحركة على خطابها القائم على الفصل بين الوظيفة الدعوية والعمل الحزبي المباشر.

ومن جهة أخرى، فإنها تفتح الباب أمام أعضائها ومتعاطفيها للمشاركة في المعركة الانتخابية واختيار من يرونه أقرب إلى تصورهم للإصلاح والحكامة.

وهنا يعود السؤال بقوة: من سيستفيد انتخابياً من هذه التعبئة؟

إذا كان جزء مهم من القاعدة التقليدية للحركة لا يزال يحتفظ بقربه الفكري والسياسي من العدالة والتنمية، فإن الحزب سيكون المستفيد الطبيعي من أي عودة للحماس داخل هذه القاعدة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحركة اتخذت قراراً رسمياً بدعم الحزب.

«البيجيدي» يريد استعادة ما فقده

من جهته، يبدو حزب العدالة والتنمية أكثر وعياً من أي وقت مضى بأهمية استعادة جزء من قاعدته التقليدية.

فالحزب يدخل استحقاقات 2026 بعد خمس سنوات من إعادة البناء الداخلي، وبعد تجربة سياسية مختلفة تماماً عن مرحلة قيادة الحكومة.

كما أن جزءاً من خطابه الانتخابي الحالي يقوم على مهاجمة أداء الحكومة الحالية وتقديم نفسه باعتباره بديلاً سياسياً، وهو خطاب يتقاطع في بعض جوانبه مع الانتقادات التي توجهها شخصيات وفعاليات قريبة من حركة التوحيد والإصلاح إلى عدد من الاختيارات الحكومية خلال السنوات الخمس الماضية.

وتشير مواقف صادرة عن قياديين في العدالة والتنمية إلى وجود تطلع واضح إلى دعم سياسي ومعنوي وإعلامي من الحركة، بل إن عزيز هناوي، المرشح باسم الحزب، تحدث صراحة عن أهمية هذا الدعم وعن الرصيد الذي يمثله الحزب بالنسبة للحركة.

لكن هذا الكلام يظل، في نهاية المطاف، تعبيراً عن مواقف قيادات سياسية، وليس إعلاناً رسمياً من الحركة بتوجيه التصويت لفائدة العدالة والتنمية.

سبتة ومليلية والهجرة.. الحركة توسع أجندتها

ولم يقتصر بلاغ الحركة على الانتخابات.

فقد خصصت حيزاً مهماً لقضية سبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة، معتبرة إياها جزءاً من القضايا الوطنية، وداعية إلى تدبير الملف بمنطق الوضوح والمسؤولية، مع الحفاظ على المصالح الوطنية وتطوير العلاقات مع إسبانيا على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

كما دعت إلى مقاربة وطنية متكاملة لقضية الهجرة، تتجاوز الحلول الأمنية والظرفية إلى معالجة أسبابها العميقة، خصوصاً ما يرتبط بأوضاع الشباب وآفاق العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.

وأعادت الحركة كذلك التأكيد على مواقفها المتعلقة بمغربية الصحراء، مثمنة مواقف دولية داعمة للمغرب ولمقترح الحكم الذاتي، وهو ما يعكس حرصها على إبقاء القضايا الوطنية الكبرى في صلب خطابها السياسي والمجتمعي.

هل تتكرر تعبئة 2015 و2016؟

المقارنة مع انتخابات 2015 و2016 تظل حاضرة بقوة.

ففي تلك المحطات، كانت التعبئة الانتخابية للحركة والدوائر القريبة منها أكثر وضوحاً، وكان العدالة والتنمية يعيش واحدة من أقوى فتراته الانتخابية، مستفيداً من موجة سياسية وتنظيمية واسعة.

أما سنة 2021، فقد حدث العكس تقريباً: الحركة لم تعبّئ لصالح الحزب، وانخفض الحماس داخل جزء من القاعدة، لتأتي النتيجة الانتخابية كارثية بالنسبة للعدالة والتنمية.

أما في 2026، فإن المشهد مختلف: الحركة عادت لتدعو بوضوح إلى المشاركة، لكنها لم تمنح حتى الآن الحزب شيكاً انتخابياً على بياض.

وهذا هو المعطى الذي يجعل الانتخابات المقبلة اختباراً حقيقياً للعلاقة بين الطرفين.

الحركة بين الاستقلال التنظيمي والتأثير السياسي

القوة الحقيقية لحركة التوحيد والإصلاح لا تكمن فقط في عدد أعضائها، بل في قدرتها التاريخية على إنتاج النخب، والتأطير، وبناء شبكات اجتماعية ودعوية، والحفاظ على حضورها داخل شرائح من المجتمع المغربي.

لكن الحركة تدرك أيضاً أن العودة الصريحة إلى موقع الداعم الحزبي المباشر قد تعيد إحياء النقاش القديم حول حدود الفصل بين الدعوي والسياسي.

لذلك تبدو الصيغة الحالية أكثر حذراً: مشاركة انتخابية قوية، دفاع عن النزاهة، دعوة إلى تجديد النخب، من دون إعلان صريح عن التصويت لحزب بعينه.

ومن هنا فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، خصوصاً مع دخول الحملة الانتخابية مرحلتها الرسمية، إذ سيكون بالإمكان قياس مدى تحول هذه الدعوة العامة إلى تعبئة فعلية داخل القواعد والدوائر القريبة من الحركة.

في النهاية، فإن انتخابات 2026 تضع حركة التوحيد والإصلاح أمام معادلة دقيقة: فهي لا تريد أن تبدو كتنظيم حزبي، لكنها في الوقت نفسه تملك رصيداً بشرياً وفكرياً يجعل موقفها من المشاركة الانتخابية مؤثراً في محيط العدالة والتنمية.

أما «المصباح»، الذي دفع ثمناً انتخابياً وسياسياً باهظاً في 2021، فيدرك جيداً أن استعادة جزء من ذلك الخزان لا تمر فقط عبر الخطاب الانتخابي، وإنما عبر إعادة بناء الثقة مع قواعد كانت قد اختارت، قبل خمس سنوات، ألا تنزل إلى الميدان من أجله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى