سياسة

من أزيلال.. لقجع يرفع سقف التحدي: 350 مليار درهم لمشروع «البام» ومواجهة سياسية عنوانها القدرة الشرائية والمناطق الجبلية

تحولت مدينة أزيلال، مساء الاثنين 7 شتنبر 2026، إلى واحدة من أبرز محطات الحملة الانتخابية السابقة على انطلاق الحملة الرسمية، بعدما احتضنت لقاءً تواصلياً جماهيرياً لحزب الأصالة والمعاصرة، عرف حضوراً وازناً لقيادات الحزب وتعبئة كبيرة لأنصاره، وجعل من الإقليم الجبلي منصة لعرض البرنامج الانتخابي للحزب والدفاع عنه في مواجهة الانتقادات السياسية التي رافقته منذ الإعلان عنه.

اللقاء، الذي حضره أزيد من 3000 مناضل ومشارك بحسب تقارير إعلامية، جمع عدداً من قيادات الحزب، في مقدمتهم عضوا القيادة الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد، إلى جانب فوزي لقجع وأعضاء من المكتب السياسي، فضلاً عن عادل بركات، رئيس مجلس جهة بني ملال-خنيفرة، وهشام صابري، عضو المكتب السياسي وكاتب الدولة المكلف بالشغل.

لكن الحضور الجماهيري لم يكن وحده عنوان اللقاء؛ فالمضمون السياسي والمالي الذي حملته كلمة فوزي لقجع جعل أزيلال تتحول إلى منصة لتقديم مرافعة متكاملة عن مشروع «البام» إلى أفق سنة 2031، في وقت دخل فيه الحزب عملياً مرحلة اختبار برنامجه أمام الناخبين.

لقجع: لا نريد صراع الأوصاف.. ناقشوا الأرقام والحلول

اختار فوزي لقجع أن يخوض جانباً من مداخلته في مواجهة الانتقادات الموجهة إلى البرنامج الانتخابي للحزب، لكنه حرص على نقل النقاش من مستوى السجال السياسي إلى مستوى الأرقام والحلول.

وأكد أن «البام» لا يريد الانخراط في تبادل الأوصاف بين الأحزاب، وإنما يفضل أن ينصب النقاش على الأفكار والإجراءات التي يقترحها لمعالجة المشاكل التي تواجه المغاربة.

وفي رسالة سياسية واضحة إلى خصوم الحزب، شدد لقجع على أن من يريد مناقشة أفكار «البام» ومقترحاته فالحزب مستعد لذلك، كما أنه منفتح على الأفكار التي يمكن أن تطور برنامجه، في حين أن الاكتفاء بإطلاق الأوصاف لا يقدم، حسب طرحه، أجوبة للمواطنين.

واستحضر لقجع، في هذا السياق، الآية القرآنية «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما»، في إشارة إلى رغبته في عدم تحويل المنافسة الانتخابية إلى مجرد سجال لفظي، والدفع عوض ذلك نحو مواجهة البرامج والبدائل.

350 مليار درهم.. الرقم الذي سرق الأضواء

غير أن أقوى رسائل لقاء أزيلال كانت مالية بالدرجة الأولى.

فوزي لقجع دافع بقوة عن الكلفة المالية لبرنامج «البام» إلى سنة 2031، مؤكداً أن تنزيل الالتزامات التي يتضمنها البرنامج يتطلب تعبئة مالية تصل إلى حوالي 350 مليار درهم خلال خمس سنوات.

ولم يتعامل لقجع مع الرقم باعتباره نقطة ضعف، بل حاول تحويله إلى عنصر قوة في النقاش الانتخابي، من خلال تقديم مرافعة تقوم على سؤال أساسي: هل يمتلك المغرب القدرة المالية على تعبئة هذا المبلغ إذا كانت الأولويات واضحة وتم توجيه الموارد نحو النتائج المباشرة بالنسبة للمواطن؟

وفي هذا السياق، أشار إلى أن جزءاً من المشروع يتطلب حوالي 250 مليار درهم إضافية خلال خمس سنوات، قبل أن يستحضر ما قال إنه تعبئة لحوالي 280 مليار درهم خلال السنوات الخمس الماضية لدعم القدرة الشرائية، متسائلاً عن حجم الأثر الذي تركته تلك النفقات على حياة المواطنين.

وهنا انتقل الخطاب من مجرد تقديم برنامج انتخابي إلى معركة سياسية حول جدوى الإنفاق العمومي وفعالية توجيه الموارد.

رسالة غير مباشرة إلى «الأحرار»

ووفق قراءات ومتابعات إعلامية للقاء، جاء دفاع لقجع عن 350 مليار درهم في سياق نقاش سياسي سبق أن أثارته قيادات من حزب التجمع الوطني للأحرار حول ضرورة تقديم حسابات دقيقة بشأن الوعود الانتخابية ومصادر تمويلها.

وتزامن لقاء أزيلال مع استمرار الجدل حول برنامج «البام»، خصوصاً بعد تقديمه التزاماً مالياً كبيراً، وهو ما جعل مداخلة لقجع تحمل في خلفيتها مواجهة سياسية غير مباشرة مع منتقدي المشروع.

لكن لقجع لم يجعل من الهجوم على المنافسين محور خطابه، بل حاول إعادة المعركة إلى أرضية الأرقام، وهو ما يمنح كلمته في أزيلال بعداً يتجاوز الخطاب الانتخابي التقليدي.

القدرة الشرائية في قلب المشروع

القدرة الشرائية تصدرت المحاور التي ركز عليها لقجع، باعتبارها إحدى أكثر القضايا التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين.

وأوضح أن تحسين ظروف المغاربة لا يرتبط فقط بزيادة المداخيل، بل يتطلب أيضاً تخفيف الأعباء التي تتحملها الأسر، سواء تعلق الأمر بالسكن أو التعليم أو الخدمات الأساسية.

وبذلك، يطرح «البام» في برنامجه مقاربة تقوم على الجمع بين رفع الدخل وتخفيف الأعباء وتحسين الخدمات، بدل اختزال النقاش الاجتماعي في الأجور وحدها.

الشباب.. من البطالة إلى إنتاج القيمة

ولم يغب الشباب عن خطاب لقجع، حيث أكد أن الحزب أعد تصوراً خاصاً بهذه الفئة، يقوم على الانتقال من سياسات عمومية عامة إلى سياسة تستهدف الشباب بشكل مباشر.

الفكرة التي دافع عنها لقجع تتمثل في عدم ترك الشباب في مواجهة البطالة والهشاشة والانتظار، وإنما توفير الشروط التي تسمح لهم بالاندماج الاقتصادي والاجتماعي والمساهمة في إنتاج الثروة.

وهو طرح يحمل دلالة سياسية واضحة في سياق انتخابي أصبح فيه الشباب أحد أهم محددات النقاش العمومي، خصوصاً مع ارتفاع سقف انتظارات هذه الفئة من الأحزاب والبرامج.

أزيلال تفرض ملف المناطق الجبلية

ولعل اختيار أزيلال لاستضافة هذا اللقاء لم يكن منفصلاً عن طبيعة الملفات التي حملها خطاب لقجع.

فالمناطق الجبلية حضرت بقوة في المداخلة، من خلال الدعوة إلى تقليص الفوارق المجالية وتسريع التنمية بالمناطق التي لا تزال تعاني من خصاص في بعض الخدمات والتجهيزات.

وأكد لقجع أن المناطق الجبلية تحتاج إلى مجهود إضافي مقارنة بمجالات أخرى حققت مستويات أكبر من التنمية، مشدداً على ضرورة ضمان استفادة المواطنين من الفرص والخدمات نفسها بغض النظر عن المجال الترابي الذي يعيشون فيه.

وهنا اكتسب اللقاء بعداً محلياً قوياً؛ إذ لم يكتف الخطاب بعرض برنامج وطني، بل حاول إسقاط جزء من مضامينه على واقع منطقة جبلية مثل أزيلال، بما تحمله من تحديات مرتبطة بالبنيات الأساسية والخدمات والصحة والتعليم والتنمية المجالية.

الصحة والتعليم.. لقجع يرفع سقف الالتزام إلى 2031

ووضع عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة قطاعي الصحة والتعليم ضمن الملفات التي تحتاج إلى دفعة إضافية خلال المرحلة المقبلة.

وكان لقجع صريحاً في الحديث عن ضرورة ألا تستمر بعض مظاهر الخصاص في الخدمات الصحية، خصوصاً بالنسبة للنساء بالمناطق التي تواجه صعوبات في الولوج إلى خدمات الولادة والرعاية الصحية.

ومن أزيلال، أكد أن الهدف في أفق 2031 ينبغي أن يكون تحسيناً ملموساً في الخدمات الأساسية، وليس مجرد استمرار الإصلاحات دون أن يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.

الأمازيغية تدخل الحسابات الانتخابية

كما خصص لقجع حيزاً من خطابه لملف الأمازيغية، داعياً إلى إعطائها عناية أكبر، خصوصاً في المناطق التي تشكل فيها جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للسكان.

وذهب إلى التأكيد على ضرورة أن يجد المواطن داخل الإدارة والخدمات العمومية من يستطيع التواصل معه، مع طرح فكرة توفير الإمكانيات اللازمة لتنزيل هذا التوجه عملياً.

وهكذا، جمع خطاب أزيلال بين الملفات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية واللغوية، محاولاً تقديم البرنامج باعتباره مشروعاً متكاملاً لا يقتصر على ملف القدرة الشرائية.

المنصوري تدخل المعركة من بوابة أخرى

وإلى جانب لقجع، حملت كلمة فاطمة الزهراء المنصوري رسائل سياسية قوية، خصوصاً في ردها على الانتقادات الموجهة للحزب بشأن حضوره السياسي والميداني.

ورفضت المنصوري تحويل المنافسة إلى مجرد «صراع أوصاف»، مؤكدة أن التنافس الحقيقي ينبغي أن يكون حول البرامج والبدائل والحلول، كما دافعت عن حضور «البام» في المناطق المتضررة من زلزال 2023، وانتقدت ما اعتبرته محاولة من بعض المنافسين لتقزيم حضور الحزب.

وبذلك، بدا أن قيادة «البام» حرصت في أزيلال على تقديم صورة مزدوجة: قيادة سياسية تخوض المنافسة، وقيادة تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مشروع وبرنامج قابل للنقاش والتمويل.

من أزيلال تبدأ معركة جديدة

أهمية لقاء أزيلال لا تكمن فقط في عدد الحاضرين أو في الحضور القوي لقيادات «البام»، وإنما في توقيته أيضاً.

فاللقاء جاء في اليوم الذي كانت فيه عملية الترشيحات الانتخابية تدخل مراحلها الأخيرة، وقبل أيام قليلة من انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية، ما جعله بمثابة محطة لإظهار الجاهزية التنظيمية والسياسية للحزب.

والأهم أن فوزي لقجع اختار من أزيلال أن يرفع سقف النقاش إلى مستوى الأرقام والتمويل والقدرة على تنفيذ الوعود، بعدما أصبحت البرامج الانتخابية تحت مجهر الناخبين.

وهذا ما يجعل رقم 350 مليار درهم أكثر من مجرد رقم مالي؛ فهو تحول إلى عنوان سياسي لبرنامج «البام»، وسيكون خلال الأيام المقبلة واحداً من أكثر الأرقام حضوراً في النقاش الانتخابي، خصوصاً مع مطالبة الناخبين بتوضيحات أكبر حول مصادر التمويل، وكيفية تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة.

وبينما يقترب موعد 23 شتنبر، يبدو أن «البام» يريد أن يخوض جزءاً من معركته الانتخابية على أرضية مختلفة: القدرة الشرائية، الشباب، الصحة، التعليم، المناطق الجبلية، العدالة الاجتماعية، ثم الأهم: هل يمكن تمويل كل ذلك؟

ومن أزيلال، قدم لقجع جوابه الأول: نعم، إذا كانت الأولويات واضحة وكانت الموارد موجهة نحو نتائج يشعر بها المواطن.

أما الحسم، فلن يكون في القاعات ولا في المنصات، وإنما أمام صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر، عندما يتحول هذا الخطاب السياسي والمالي إلى اختبار انتخابي حقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى