صحة

البروفيسور عبد الكريم الداودي يقود التحول الكبير في صحة فاس-مكناس.. المجموعة الصحية الترابية تدخل مرحلة التنفيذ وتعيد رسم خريطة العلاج بالجهة

دخلت المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس، ابتداء من فاتح شتنبر 2026، مرحلة الممارسة الفعلية لاختصاصاتها، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تدبير القطاع الصحي بالجهة، عنوانها الأبرز الانتقال من منطق تدبير المؤسسات بشكل منفصل إلى بناء منظومة صحية جهوية متكاملة، تتوحد فيها الرؤية وتتقاطع فيها الموارد والإمكانات والخدمات حول هدف واحد هو تحسين التكفل بالمريض وتقريب العلاج من المواطنين.

ويأتي هذا التحول في إطار الورش الوطني لإصلاح المنظومة الصحية، الذي يستند إلى إعادة بناء الحكامة الصحية على المستوى الترابي، وجعل الجهة وحدة أساسية في التخطيط والتنظيم وتوزيع الموارد وتنسيق مسارات العلاج. وفي قلب هذا التحول يقف البروفيسور عبد الكريم الداودي، المدير العام للمجموعة الصحية الترابية لفاس-مكناس، الذي أسندت إليه مهمة قيادة واحدة من أكبر التجارب الجهوية في إصلاح الإدارة الصحية بالمغرب.

الداودي.. طبيب يقود مؤسسة صحية بطموح إداري جهوي

اختيار البروفيسور عبد الكريم الداودي لهذه المهمة لم يأت من فراغ، إذ يجمع الرجل بين التكوين والخبرة الطبية والتجربة الإدارية داخل المؤسسات الاستشفائية الجامعية.

فهو متخصص في جراحة العظام والكسور، كما راكم تجربة أكاديمية في مجال التشريح، وسبق أن تولى مسؤولية إدارة المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة. وتؤكد معطيات وزارة الصحة أنه كان مديراً للمركز خلال مراحل سابقة، كما شارك في تدبير ملفات مرتبطة بالحكامة والموارد البشرية وتأهيل وتجهيز المؤسسة ووضع استراتيجيات العمل المستقبلية.

كما تظهر المعطيات الأكاديمية والمهنية المرتبطة باسمه حضوره في مجال جراحة العظام والكسور والتكوين الطبي، بما في ذلك مشاركته ضمن الهيئات والملتقيات العلمية المتخصصة.

وفي التاسع من أبريل الماضي، صدر التعيين الملكي للبروفيسور عبد الكريم الداودي مديراً عاماً للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس، في إطار تعيين المديرين العامين لعدد من المجموعات الصحية الترابية، بما يؤشر على أهمية المسؤولية الجديدة وحجم الرهان الموضوع على هذه المؤسسات في تنزيل الإصلاح الصحي.

مهمة تتجاوز تسيير المستشفيات

المهمة الجديدة للداودي تختلف في طبيعتها وحجمها عن إدارة مؤسسة استشفائية منفردة.

فالمجموعة الصحية الترابية تشمل منظومة واسعة من المؤسسات والمستويات العلاجية، وتمتد على عمالتي فاس ومكناس وأقاليم تازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب.

وتضم الجهة، وفق المعطيات الرسمية التي قدمتها وزارة الصحة خلال أول مجلس إداري للمجموعة، 427 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وخدمات القرب، إضافة إلى خمس مؤسسات استشفائية جامعية و14 مؤسسة استشفائية جهوية وإقليمية ومؤسسات للقرب، وفي مقدمتها المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس.

وهذا الحجم من العرض الصحي يجعل المسؤولية الجديدة أمام المدير العام مختلفة جذرياً، لأن المطلوب لم يعد فقط ضمان حسن سير مستشفى أو مؤسسة صحية، وإنما بناء شبكة مترابطة تجعل مختلف المؤسسات تعمل ضمن تصور واحد، وتضمن انتقال المريض بين مستويات العلاج دون انقطاع أو ارتباك.

من المركز الصحي إلى المستشفى الجامعي.. المريض في قلب المنظومة

الرهان الأساسي للمجموعة الصحية الترابية يتمثل في إعادة تنظيم رحلة المريض داخل المنظومة الصحية.

فالمريض الذي يقصد مركزاً صحياً للقرب يجب أن يجد مساراً واضحاً عندما تستدعي حالته الإحالة إلى مؤسسة استشفائية إقليمية أو جهوية، ثم إلى مؤسسة جامعية متخصصة عند الضرورة.

وهذا ما يجعل تنظيم مسارات العلاج أحد أهم الملفات التي ستختبر من خلالها تجربة البروفيسور الداودي، خصوصاً أن أول مجلس إداري للمجموعة شدد على ضرورة تعزيز التكامل بين الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات وتحسين توجيه المرضى بين مختلف مستويات الرعاية.

فالغاية ليست فقط زيادة عدد المؤسسات أو التجهيزات، وإنما جعل هذه المؤسسات تعمل كحلقات مترابطة داخل سلسلة علاجية واحدة، بدل أن يظل المواطن مضطراً إلى البحث بنفسه عن المؤسسة المناسبة أو التنقل بين المصالح بحثاً عن موعد أو فحص أو علاج.

أول مجلس إداري.. خارطة الطريق بدأت من فاس

في التاسع من يونيو 2026، احتضنت مدينة فاس أول مجلس إداري للمجموعة الصحية الترابية بالجهة، برئاسة رئيس الحكومة، وبحضور وزير الصحة والحماية الاجتماعية ووزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ووالي الجهة ورئيس مجلس الجهة والمدير العام للمجموعة وأعضاء مجلس الإدارة.

وكان الاجتماع بمثابة الإعلان الرسمي عن بداية مرحلة التأسيس العملي للمؤسسة، حيث قدم البروفيسور عبد الكريم الداودي برنامج عمل المجموعة وميزانيتها برسم سنة 2026، وهيكلها التنظيمي، إلى جانب عدد من مشاريع القرارات التي تمت مناقشتها والمصادقة عليها.

والأهم أن النقاش لم يتوقف عند الجوانب الإدارية، بل ركز على تنظيم مسارات العلاج وتقوية التكامل بين الرعاية الأولية والمؤسسات الاستشفائية، وهو ما يكشف طبيعة المقاربة التي يفترض أن تقود المرحلة المقبلة.

الحكامة الجهوية.. الاختبار الحقيقي أمام المدير العام

التحول الجديد يضع الحكامة في قلب الإصلاح.

فالمجموعة الصحية الترابية مطالبة بتوحيد الرؤية المتعلقة بتدبير الموارد البشرية والمالية والتجهيزات والبرمجة، وربط الحاجيات الصحية للسكان بقرارات الاستثمار وتوزيع الإمكانات.

وهنا تبرز أهمية التجربة الإدارية السابقة للبروفيسور الداودي، الذي سبق أن قاد المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة، وشارك خلال تلك المرحلة في مناقشة ملفات الأداء الاستشفائي والحكامة والموارد البشرية ومشاريع التأهيل والتجهيز والاستراتيجية المستقبلية للمؤسسة.

لكن حجم المسؤولية في فاس-مكناس أكبر بكثير، لأن الأمر يتعلق بمنظومة صحية تضم مئات المؤسسات وتمتد على مساحة جغرافية واسعة، وتضم مدناً كبرى ومراكز حضرية ومناطق جبلية وقروية، لكل واحدة منها حاجياتها الصحية الخاصة.

العدالة المجالية.. هل تنجح المجموعة في إنهاء تفاوتات الولوج إلى العلاج؟

من بين أكبر الرهانات المطروحة أمام المجموعة الصحية الترابية تحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية في توزيع الخدمات.

فالجهة لا تتكون فقط من فاس ومكناس باعتبارهما قطبين حضريين كبيرين، وإنما تضم أيضاً تازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب، ومجموعة واسعة من المناطق القروية والجبلية.

وبالتالي، فإن نجاح الإصلاح لن يقاس فقط بما ستشهده المستشفيات الجامعية الكبرى من تطور، بل كذلك بمدى قدرة المجموعة على تحسين مستوى المؤسسات الصحية في الأقاليم والمناطق البعيدة، وتقليص الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة من أجل الحصول على خدمات متخصصة.

ومن هنا تأتي أهمية التكامل بين المستويات العلاجية، لأن تطوير الرعاية الأولية ومؤسسات القرب يمكن أن يخفف الضغط عن المستشفيات الكبرى، فيما تسمح المؤسسات الإقليمية والجهوية بالتعامل مع عدد كبير من الحالات قبل إحالتها، عند الضرورة، إلى المركز الاستشفائي الجامعي.

الموارد البشرية.. مفتاح نجاح الإصلاح

لا يمكن لأي إصلاح صحي أن ينجح من دون معالجة ملف الموارد البشرية.

فالمجموعة الجديدة مطالبة بإعادة التفكير في طريقة توزيع الأطباء والممرضين والأطر الإدارية والتقنية، وربط التوزيع بالحاجيات الحقيقية لكل منطقة، بدل استمرار تركّز الموارد في بعض المدن والمراكز على حساب مناطق أخرى.

كما أن تثمين الموارد البشرية، وتحسين ظروف العمل، وتطوير التكوين المستمر، وخلق بيئة مهنية أكثر استقراراً، ستكون كلها عناصر حاسمة في قدرة المجموعة على تحقيق أهدافها.

وتعكس الصلاحيات الموكولة للمجموعات الصحية الترابية هذا التوجه، إذ لا تقتصر مهامها على تدبير العرض العلاجي، وإنما تمتد إلى التكوين والبحث والابتكار والتدبير الإداري، بما يجعل المؤسسة الجديدة إطاراً متكاملاً لتدبير السياسة الصحية على المستوى الجهوي.

فاس-مكناس أمام فرصة لإعادة بناء منظومتها الصحية

المرحلة الجديدة تأتي في وقت تعرف فيه جهة فاس-مكناس دينامية متواصلة في مجال تعزيز العرض الصحي، من خلال مشاريع بناء وتأهيل وتجهيز المؤسسات الصحية، إلى جانب الرغبة في إعادة توزيع الخدمات وتخفيف الضغط عن المؤسسات المرجعية.

وفي هذا السياق، دعا رئيس الحكومة خلال أول مجلس إداري للمجموعة إلى تسريع وتيرة إنجاز مشاريع بناء وتأهيل المستشفيات الإقليمية والجهوية المدرجة ضمن المخطط الاستعجالي لتعزيز العرض الصحي وتقريب الخدمات من سكان الجهة.

وهذا يعني أن عمل المجموعة لن ينطلق من نقطة الصفر، وإنما سيجد أمامه مجموعة من المشاريع والأوراش التي يتعين تنسيقها وإدماجها ضمن رؤية جهوية موحدة.

سنة التأسيس انتهت.. والآن يبدأ امتحان النتائج

إذا كانت الفترة الماضية قد انصبت أساساً على الإعداد المؤسساتي والقانوني والتنظيمي، فإن دخول المجموعة الصحية الترابية مرحلة الممارسة الفعلية يعني أن مرحلة الانتظار انتهت.

ومن الآن فصاعداً، ستصبح النتائج الميدانية هي المعيار الحقيقي للحكم على التجربة.

وسيكون المواطن هو الطرف الأكثر قدرة على تقييم نجاحها: هل سيجد موعداً أسرع؟ هل ستتحسن جودة الاستقبال؟ هل ستصبح الإحالات بين المؤسسات أكثر تنظيماً؟ هل ستتراجع فترات الانتظار؟ هل سيجد سكان الأقاليم البعيدة خدمات أكثر قرباً؟ وهل ستتمكن المستشفيات الكبرى، وفي مقدمتها المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني، من تخفيف الضغط الناتج عن تدفق الحالات التي كان يمكن التكفل بها في مستويات علاجية أدنى؟

هذه الأسئلة ستحدد عملياً صورة المجموعة خلال السنوات المقبلة.

الداودي أمام ورش كبير.. من الخبرة الطبية إلى هندسة منظومة جهوية

ويجد البروفيسور عبد الكريم الداودي نفسه، منذ فاتح شتنبر، أمام تجربة تختلف عن كل مسؤولياته السابقة. فالرجل الذي راكم تجربة في جراحة العظام والتكوين الطبي والإدارة الاستشفائية، مطالب اليوم بالانتقال من تدبير مؤسسة إلى قيادة منظومة صحية جهوية كاملة.

إنها مهمة تتطلب الجمع بين المعرفة الطبية والقدرة على التدبير والتخطيط والتفاوض وتدبير الموارد، فضلاً عن القدرة على تنزيل الإصلاح في الميدان وسط انتظارات اجتماعية مرتفعة.

وإذا كان تعيينه قد استند إلى تجربة مهنية وإدارية سابقة، فإن المرحلة المقبلة ستكون الحكم الحقيقي على مدى قدرة هذه الخبرة على إنتاج نموذج جديد في التدبير الصحي بجهة فاس-مكناس.

بداية مرحلة جديدة في صحة الجهة

دخول المجموعة الصحية الترابية فاس-مكناس مرحلة الممارسة الفعلية لا يمثل مجرد تغيير في الاسم أو الهيكلة الإدارية للمؤسسات الصحية، وإنما يشكل محاولة لإعادة صياغة طريقة اشتغال المنظومة برمتها.

فالهدف المعلن هو بناء منظومة يكون فيها التخطيط جهوياً، والتنسيق موحداً، والموارد أكثر انسجاماً مع الحاجيات، ومسار المريض أكثر وضوحاً، والعلاقة بين الرعاية الأولية والاستشفاء أكثر تكاملاً.

وفي هذا الورش، سيكون البروفيسور عبد الكريم الداودي في الواجهة، باعتباره المسؤول التنفيذي عن تحويل التصور القانوني والتنظيمي إلى ممارسة يومية داخل 427 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية وخدمات القرب، وشبكة استشفائية تضم مؤسسات جامعية وجهوية وإقليمية.

وبذلك تبدأ جهة فاس-مكناس، اعتباراً من شتنبر 2026، تجربة صحية جديدة عنوانها الجهوية في التدبير، والتكامل في العلاج، والعدالة في الولوج، وربط المسؤولية بالنتائج؛ وهي عناوين ستحتاج، قبل أي شيء، إلى ترجمتها على أرض الواقع حتى يشعر المواطن بأن الإصلاح لم يعد مجرد ورش مؤسساتي، وإنما تحول فعلي في الخدمة الصحية التي يتلقاها يومياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى