لقجع يقود «البام» إلى قلب زيان وميدلت.. رسائل انتخابية وتنموية في مواجهة الأحرار

في واحدة من أبرز المحطات السياسية التي شهدها اليوم الانتخابي المتسارع، كثّف حزب الأصالة والمعاصرة، يوم الأحد 30 غشت، حضوره الميداني بجهتي بني ملال–خنيفرة ودرعة–تافيلالت، من خلال لقاءين تواصليين احتضنتهما جماعة أجلموس بإقليم خنيفرة وإقليم ميدلت، بمشاركة فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي للحزب، في تحرك سياسي يأتي أسابيع قليلة قبل الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل.
ولم تكن المحطتان منفصلتين عن السياق السياسي المتوتر الذي يطبع العلاقة بين «البام» والتجمع الوطني للأحرار، خصوصاً بعد التحاق البرلماني عن ميدلت مروان شباعتو بصفوف الأصالة والمعاصرة، عقب مغادرته حزب «الأحرار». كما تأتي تحركات الحزب في ظل سباق متصاعد لاستقطاب المرشحين وإعادة ترتيب الخريطة الانتخابية المحلية قبل إغلاق باب الترشيحات.
أجلموس.. لقجع يستحضر تاريخ زيان ويطرح «عقداً تنموياً»
في جماعة أجلموس بإقليم خنيفرة، اختار فوزي لقجع أن يربط خطابه السياسي بتاريخ المنطقة، مستحضراً ما وصفه بالتاريخ النضالي لقبائل زيان ومختلف قبائل الإقليم، وما قدمه أبناؤها من تضحيات في مقاومة الاستعمار والدفاع عن وحدة الوطن.
ودعا لقجع أبناء المنطقة إلى مواصلة ما سماه «جهاد التنمية»، من خلال الانخراط في مواجهة الهشاشة والفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وربط ذلك بالأهداف التنموية التي رسمها الملك محمد السادس.
وقال إن حزب الأصالة والمعاصرة اختار النزول مباشرة إلى المناطق الجبلية والقرى، بدل الاكتفاء بالنقاش السياسي داخل المكاتب، مؤكداً أن الغاية من هذه الخرجات هي الاستماع إلى المواطنين والوقوف على مشاكلهم اليومية والتفاعل المباشر مع انتظاراتهم.
واللافت في خطاب لقجع أنه لم يكتف بتقديم وعود انتخابية عامة، بل أعلن أن الحزب سيقدم برنامجه الانتخابي يوم الثلاثاء فاتح شتنبر، على أن يكون البرنامج مبنياً، حسب ما جاء في كلمته، على تشخيص للمشاكل وحلول محددة بالأرقام والآجال، ضمن تصور يمتد لخمس سنوات.
وقال لقجع إن الحزب يريد الانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة الالتزام والمحاسبة، مؤكداً أن المرشحين سيضعون الوثائق المرتبطة بالبرنامج رهن إشارة المواطنين.
القدرة الشرائية والشباب والتعليم والصحة في صلب خطاب لقجع
وضع القيادي في الأصالة والمعاصرة ملف القدرة الشرائية في مقدمة القضايا التي قال إن حزبه يعتزم معالجتها، معتبراً أن الأسر المغربية لا ينبغي أن تستمر في مواجهة صعوبات تأمين حاجياتها اليومية وحاجيات أطفالها.
كما توقف عند وضعية الشباب، مشيراً إلى مغادرة أعداد كبيرة من الشباب مقاعد الدراسة دون مسارات تأهيلية كافية تمكنهم من الاندماج في سوق الشغل والمساهمة في خلق القيمة المضافة.
وفي قطاعي التعليم والصحة، أكد لقجع أن تصور الحزب يقوم على ضمان مكان لكل طفل داخل المدرسة، وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين، معتبراً أن المواطن ينبغي أن يجد المدرسة والمستشفى والخدمات الأساسية بالقرب منه وبجودة تستجيب لحاجياته.
أما الرسالة السياسية الأكثر وضوحاً، فتمثلت في حديثه عن ما وصفه بـ«مغرب السرعتين»، داعياً إلى تقليص الفوارق المجالية، ومؤكداً أن أجلموس تستحق فرص التنمية نفسها التي تستفيد منها خنيفرة وبني ملال والرباط ومختلف مناطق المملكة.
وربط لقجع هذا الطرح بورش العدالة المجالية والتنمية الترابية، مؤكداً أن الأصالة والمعاصرة يريد أن يكون طرفاً فاعلاً في هذا المسار.
من الوعود إلى «تعاقد» قابل للمحاسبة
أبرز ما ميز خطاب لقجع في أجلموس كان إصراره على تقديم البرنامج الانتخابي باعتباره أكثر من مجرد وثيقة انتخابية.
فقد تحدث عن «عقد» يمتد لخمس سنوات بين حزب الأصالة والمعاصرة والمواطنين، يتضمن حلولاً محددة بالأرقام والآجال، ويخضع للمحاسبة في نهاية الفترة.
وقال إن الحزب مستعد لتحمل مسؤولية ما يطرحه أمام المواطنين، بل وأمام الله والوطن، في محاولة لإعطاء الخطاب الانتخابي بعداً تعاقدياً واضحاً.
كما وجه رسالة إلى خصومه السياسيين، داعياً إلى مناقشة الأفكار والبرامج بالأرقام والمعطيات، بدل الانشغال بنقاشات وصفها بأنها لا تخدم المغرب والمغاربة.
ميدلت.. محطة انتخابية بطابع مختلف
من أجلموس، انتقل فوزي لقجع إلى إقليم ميدلت، في زيارة اكتست أهمية سياسية أكبر بسبب التحولات التي شهدتها الخريطة الحزبية بالإقليم خلال الأيام الأخيرة.
ووفق المعطيات المنشورة، خصصت الزيارة لتزكية مروان شباعتو مرشحاً باسم حزب الأصالة والمعاصرة، وسط حضور عدد من مناضلي الحزب وفعاليات مدنية، في مشهد أراد من خلاله «البام» تقديم انتقال شباعتو باعتباره بداية لمرحلة جديدة في مساره السياسي بالإقليم.
وشكل حضور لقجع إلى جانب شباعتو رسالة سياسية واضحة، بالنظر إلى أن الأخير كان إلى وقت قريب أحد الوجوه البارزة داخل التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يعلن مغادرته الحزب والتحاقه بالأصالة والمعاصرة.
وكان شباعتو قد ربط قرار مغادرته، وفق روايته، بتراكمات مرتبطة بما اعتبره ضعفاً في الاهتمام بملفات إقليم ميدلت، مشيراً إلى مجموعة من المحطات التي قال إنها ساهمت في اتخاذ قراره، من بينها تدبير عدد من الملفات المحلية وغياب التفاعل الذي كان ينتظره مع بعض مطالب مهنيي الإقليم.
«البام» يضع شباعتو في واجهة المعركة
اختيار ميدلت لاستقبال لقجع وتزكية شباعتو لم يكن مجرد محطة تنظيمية، بل جاء في قلب معركة انتخابية بدأت تتخذ طابعاً مباشراً بين «البام» و«الأحرار».
فمروان شباعتو سيكون، عملياً، في مواجهة تنظيم كان إلى وقت قريب يمثله، في وقت تحرك فيه التجمع الوطني للأحرار سريعاً لإعادة ترتيب أوراقه بالإقليم، وأعلن تزكية مصطفى بعدان مرشحاً جديداً بالدائرة المحلية.
وهكذا تحولت ميدلت إلى واحدة من أبرز ساحات إعادة التموضع السياسي قبيل الانتخابات، بعدما انتقل أحد الأسماء البارزة من صفوف «الحمامة» إلى «الجرار»، لتبدأ مرحلة جديدة من التنافس على القواعد الانتخابية نفسها.
مواجهة تتجاوز ميدلت
وتكتسي هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى أن العلاقة بين الحزبين، وهما مكونان أساسيان في الأغلبية الحكومية، دخلت خلال الأيام الماضية مرحلة من التوتر السياسي العلني، خصوصاً بعد تبادل الاتهامات بشأن استقطاب المنتخبين والمرشحين.
وكان التجمع الوطني للأحرار قد انتقد ما وصفه بـ«الاستمالات والضغوط» التي تستهدف، بحسب روايته، عدداً من منتخبيه وبرلمانييه ومسؤوليه، معتبراً أن الانتخابات ينبغي أن تكون مجالاً للتنافس حول البرامج والأفكار والمشاريع، وليس حول استقطاب الأشخاص من الأحزاب المنافسة.
وفي المقابل، يبدو أن الأصالة والمعاصرة اختار الرد عملياً من الميدان، عبر إظهار قدرته على تنظيم لقاءات جماهيرية، واستقطاب أسماء انتخابية وازنة، وتقديم خطاب سياسي يركز على التنمية والقدرة الشرائية والشباب والصحة والتعليم والعدالة المجالية.
لقجع يرفع سقف التحدي
وبين أجلموس وميدلت، يتضح أن حضور فوزي لقجع لم يكن مجرد مشاركة في لقاءين حزبيين، بل جزءاً من استراتيجية أوسع ينهجها «البام» لتقديم قيادته الجديدة وخطابه الانتخابي ميدانياً، خصوصاً أن لقجع نفسه أصبح أحد أبرز الوجوه السياسية التي استقطبها الحزب قبيل انتخابات 2026.
وقد اختار القيادي الجديد أن يضع النقاش في أجلموس داخل إطار تنموي، بينما حمل حضوره في ميدلت دلالة انتخابية وتنظيمية أكثر وضوحاً، بسبب تزكية شباعتو في دائرة تشهد إعادة رسم للتحالفات والمواقع.
وبذلك، يبعث حزب الأصالة والمعاصرة من خلال محطتي أجلموس وميدلت برسالة مزدوجة: الأولى أن «البام» يريد تقديم نفسه كحزب يمتلك برنامجاً سياسياً وتنموياً قابلاً للقياس والمحاسبة، والثانية أنه مستعد للدخول بقوة في معركة الاستقطاب الانتخابي، حتى في الدوائر التي كانت محسوبة على منافسيه.
وفي انتظار الكشف الرسمي عن البرنامج الانتخابي للحزب يوم فاتح شتنبر، كما أعلن لقجع، ستكون الأنظار متجهة إلى مدى قدرة «العقد التنموي» الذي تحدث عنه على الانتقال من خطاب انتخابي جذاب إلى التزامات رقمية واضحة، خصوصاً في المناطق الجبلية التي تعاني من تحديات التنمية والولوج إلى الخدمات الأساسية.
أما ميدلت، فقد أصبحت بالفعل عنواناً لمعركة سياسية مفتوحة، بعدما جمع «البام» بين لقجع وشباعتو في محطة واحدة، في رسالة مفادها أن الحزب لا يكتفي باستقطاب الأسماء، بل يريد تحويل هذا الاستقطاب إلى حضور انتخابي فعلي. وفي المقابل، سيكون على التجمع الوطني للأحرار إثبات أن مغادرة شباعتو لم تُضعف بنيته الانتخابية بالإقليم، وأن تزكية مرشح جديد قادرة على قلب المعادلة.
وبين خطاب التنمية في أجلموس وصراع المواقع في ميدلت، يبدو أن الانتخابات التشريعية المقبلة بدأت فعلياً قبل انطلاق الحملة الرسمية، وأن الصراع بين «الأحرار» و«البام» دخل مرحلة جديدة، سيكون فيها الناخب المحلي صاحب الكلمة الفصل.






