فاس تُدشّن مرحلة جديدة في تأهيل بنياتها الرياضية.. انطلاق أشغال «Fès Arena» استعداداً للاستحقاقات الكبرى

دخل مشروع القاعة المغطاة متعددة الرياضات «Fès Arena» مرحلة التنفيذ الميداني، في واحد من أبرز الأوراش الرياضية التي تشهدها العاصمة العلمية للمملكة، ضمن الدينامية المتسارعة التي تعرفها المدينة لتحديث بنياتها التحتية وتأهيل مرافقها استعداداً للاستحقاقات الرياضية الدولية الكبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
ويأتي انطلاق الأشغال ليحوّل مشروع «Fès Arena» من مرحلة الدراسات والبرمجة والصفقات إلى ورش مفتوح على أرض الواقع، بما يعكس تسارع وتيرة تنفيذ المشاريع المهيكلة التي تعرفها فاس خلال الفترة الأخيرة، في إطار رؤية متكاملة لتأهيل المدينة وتعزيز جاذبيتها الرياضية والثقافية والسياحية.
وتتولى شركة فاس الجهة للتهيئة مهمة تدبير ومواكبة المشروع بصفتها صاحب المشروع المنتدب، حيث تضطلع بالتتبع الإداري والمالي والتقني للأشغال، فيما يتم تنفيذ الصفقة الرئيسية من طرف شركة TGCC، التي رست عليها المنافسة في ماي الماضي بعرض تجاوز 551 مليون درهم.
ويشكل هذا المشروع أحد المكونات الأساسية للبرنامج الرامي إلى تعزيز العرض الرياضي بجهة فاس-مكناس، حيث صادق مجلس جهة فاس-مكناس خلال دورته الاستثنائية المنعقدة في أبريل 2026 على الملحق رقم 5 للاتفاقية الخاصة بتنفيذ برنامج إنعاش قطاع الرياضة بالجهة، والمتعلق بإنجاز القاعة المغطاة متعددة الرياضات بفاس «Arena».
وتشير المعطيات الرسمية المنشورة إلى أن الاستثمار الإجمالي للمشروع يتجاوز 613 مليون درهم، في إطار شراكة تجمع مجلس جهة فاس-مكناس، ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وبرنامج كأس العالم، وجماعة فاس، بمساهمات تبلغ على التوالي نحو 193.4 مليون درهم، و270 مليون درهم، و100 مليون درهم، و50 مليون درهم.
منشأة رياضية بمواصفات جديدة
وتتجه «Fès Arena» إلى أن تصبح واحدة من أبرز المنشآت الرياضية المغطاة بالمدينة والجهة، بعدما تم تصميمها لتكون قاعة متعددة الاستعمالات قادرة على احتضان منافسات رياضية وطنية ودولية، إلى جانب التظاهرات الثقافية والفنية والمؤسساتية.
وتحدد المعطيات التقنية المنشورة مساحة المشروع في حدود 36 ألف متر مربع، فيما تشير وثائق ومعطيات المشروع إلى طاقة استيعابية تقارب 6050 متفرجاً، بينما تورد معطيات معمارية حديثة طاقة في حدود 6000 متفرج، وهو ما يجعلها منشأة ذات قدرة مهمة على احتضان الأحداث الكبرى داخل فضاء مغطى ومتعدد الوظائف.
ووفق التصور المعماري الذي قدمه مكتب ATP Architectes، فإن المبنى صمم بهندسة معاصرة تستلهم عناصر من هوية فاس، خصوصاً من خلال معالجة الواجهة الخارجية المستوحاة من ألوان وأشكال مدابغ المدينة العريقة، في محاولة للجمع بين الوظيفة الرياضية والبعد المعماري المرتبط بخصوصية العاصمة العلمية.
ولا تقتصر مكونات المشروع على فضاء المنافسات، إذ تشمل الأشغال الرئيسية الهياكل الخرسانية، والهياكل المعدنية، والعناصر المعمارية، والواجهات، وأشغال النجارة المعدنية والخشبية، فضلاً عن أنظمة التكييف والتهوية، والتجهيزات السينماتوغرافية والمشهدية، والمصاعد ومختلف التجهيزات الضرورية لجعل المنشأة قادرة على استقبال تظاهرات ذات مستوى دولي.
وتحدد المعطيات التقنية المتعلقة بالحزمة الرئيسية للأشغال مدة الإنجاز في 16 شهراً تقويمياً ابتداء من تاريخ إصدار الأمر بالخدمة، مع خضوع المشروع لشروط تقنية وتعاقدية دقيقة، من بينها فترة ضمان تمتد إلى 12 شهراً بعد الاستلام المؤقت للأشغال.
«فاس الجهة للتهيئة» في قلب التنفيذ
ويكتسي حضور شركة فاس الجهة للتهيئة أهمية خاصة في هذا المشروع، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به في تنزيل عدد من الأوراش المهيكلة على مستوى مدينة فاس، حيث تتولى في مشروع «Fès Arena» مهام صاحب المشروع المنتدب، بما يشمل التتبع الإداري والمالي والتقني ومواكبة مراحل الإنجاز.
ويأتي ذلك في إطار منظومة تدبير المشاريع التي تعتمدها ولاية جهة فاس-مكناس لتسريع إنجاز الأوراش الكبرى ومواكبتها ميدانياً، في انسجام مع البرنامج العام لتأهيل المدينة وتحديث بنياتها الأساسية والرياضية والحضرية.
وتتزامن أشغال «Fès Arena» مع عدد من الأوراش المفتوحة في مختلف مناطق فاس، ما يجعل المدينة تعيش خلال المرحلة الحالية ورشاً متزامناً يهم الطرق والساحات والإنارة والفضاءات العمومية والبنيات الرياضية ومواقف السيارات والمرافق الاقتصادية، وهي مشاريع تتطلب تنسيقاً مستمراً بين مختلف المتدخلين لضمان احترام الآجال وجودة التنفيذ.
وفي هذا السياق، تواصل ولاية جهة فاس-مكناس مواكبة الأوراش المفتوحة بالمدينة، من خلال التتبع الميداني ومراقبة تقدم المشاريع، في إطار الدينامية التي يقودها والي الجهة خالد آيت طالب، الذي جعل من تتبع المشاريع على أرض الواقع إحدى الآليات الأساسية لتسريع الإنجاز والوقوف على الإكراهات التي قد تعترض سير الأشغال.
المونديال يعيد رسم ملامح العاصمة العلمية
ولا يمكن فصل مشروع «Fès Arena» عن التحول العمراني والرياضي الذي تعرفه فاس استعداداً للاستحقاقات الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، التي ستحتضنها المملكة المغربية بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
فاس معنية بهذا الاستحقاق العالمي، وهو ما يفرض الارتقاء بالبنيات الرياضية والخدماتية والحضرية إلى مستويات تستجيب للمعايير الدولية، ليس فقط من خلال الملاعب، وإنما أيضاً عبر شبكة من المرافق المكملة التي تجعل المدينة قادرة على استقبال الجماهير والوفود والتظاهرات الدولية.
ومن هذا المنظور، فإن «Fès Arena» لا تمثل مجرد قاعة رياضية جديدة، وإنما جزء من رؤية أوسع لإعادة تموقع فاس ضمن خريطة المدن المغربية المؤهلة لاحتضان الأحداث الرياضية والثقافية الكبرى.
وتنسجم هذه الدينامية مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تسريع تأهيل المدن المغربية المعنية باستضافة كأس العالم 2030، وتحويل هذا الاستحقاق إلى رافعة للتنمية الحضرية وتحسين جودة الخدمات والبنيات التحتية، بما يجعل الاستثمارات المرتبطة بالمونديال ذات أثر مستدام على المدن وسكانها.
مشروع يتجاوز الرياضة
وتبرز أهمية «Fès Arena» أيضاً في كونها منشأة متعددة الوظائف، قادرة على احتضان منافسات رياضية مختلفة، إلى جانب فعاليات ثقافية وفنية ومؤسساتية، الأمر الذي من شأنه أن يمنح فاس فضاءً جديداً لتنظيم التظاهرات الكبرى.
كما أن موقع المشروع بالقرب من المركب الرياضي لفاس يندرج ضمن توجه يرمي إلى تركيز مجموعة من المنشآت الرياضية في محيط واحد، بما يسمح بتكوين قطب رياضي متكامل قادر على استضافة تظاهرات متعددة ورفع قدرة المدينة على استقبال المنافسات الوطنية والدولية.
ويأتي المشروع كذلك في سياق إعادة هيكلة واسعة للمنظومة الرياضية بالجهة، إذ صادق مجلس جهة فاس-مكناس في أبريل الماضي على مجموعة من المشاريع الرياضية الكبرى، من بينها «Fès Arena»، وإعادة بناء ملعب الحسن الثاني بفاس، وإحداث مراكز لتكوين كرة القدم، ضمن برنامج استثماري يقترب إجماليه من 800 مليون درهم بالنسبة للمشاريع الرياضية المعنية.
ورش جديد في مدينة تتغير
ومع دخول أشغال «Fès Arena» مرحلة التنفيذ، تضع فاس لبنة جديدة في مسار إعادة تأهيل بنياتها الرياضية والحضرية.
فالرهان لم يعد مرتبطاً فقط بإنجاز منشأة رياضية حديثة، وإنما بإعادة بناء صورة مدينة قادرة على احتضان الاستحقاقات الكبرى، وتحويل الاستثمارات الحالية إلى بنية دائمة تخدم السكان والرياضة والسياحة والثقافة والاقتصاد المحلي بعد انتهاء الاستحقاقات الدولية.
وبين الورش الرياضي الجديد والأوراش الحضرية المتزامنة، تتجه فاس إلى مرحلة مختلفة من تاريخها العمراني، عنوانها تسريع التنفيذ وربط المشاريع المهيكلة برؤية متكاملة لتأهيل العاصمة العلمية.
ويظل التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة هو الحفاظ على وتيرة الإنجاز، وضمان احترام المعايير التقنية والآجال المحددة، حتى تتحول «Fès Arena» من مشروع مبرمج إلى معلمة رياضية مكتملة في الموعد المحدد، وقادرة على أداء الدور الذي أُنشئت من أجله ضمن منظومة الاستعدادات المغربية لكأس العالم 2030 وما بعدها.





