مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة: ليلة “الأصوات النسائية” تطوي صفحة الفساد بـ “باب المكينة” وتدشن عهد الشفافية

روبورتاج بقلم: عبد الله مشواحي الريفي
تحت الرعاية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، عاشت العاصمة الروحية للمملكة، ليلة الجمعة-السبت، على إيقاع ليلة تاريخية استثنائية بامتياز ضمن فعاليات الدورة الـ29 لـ مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة. ليلةٌ لم تكن مجرد سهر فني عابر، بل تحولت في ركح “باب المكينة” الأثري إلى لوحة كونية لتلاقح الحضارات، وتمازج الثقافات والديانات، وإعلان صريح عن ولادة عهد جديد لتدبير هذا الحدث العالمي، يقطع بصفة نهائية مع “الحرس القديم” وسنوات الفوضى وتبديد المال العام.
أصوات نسائية عابرة للقارات: الأمازيغيات وفرقة “بوديس” الألمانية
شهدت السهرة الثانية من المهرجان لوحات فنية جسدت أسمى قيم التسامح والتعايش الإنساني. وفي هذا السياق، كانت جمهورية ألمانيا الاتحادية حاضرة بقوة كـ ضيف شرف هذه الدورة المتميزة، حيث صعدت إلى منصة باب المكينة فرقة النساء الألمانية الشهيرة “بوديس” (Bodis)، ليقدمن رفقة ثلة من المبدعات عروضاً غنائية ساحرة ركزت على قيم السلام، التضامن، والتلاقح الحضاري بين ضفتي المتوسط.
هذا الحضور الدولي واجهه وتناغم معه بوعي كبير سحر الموروث الوطني؛ إذ اهتزت جنبات باب المكينة على وقع الأهازيج والفولكلور المغربي الأمازيغي الأصيل الذي شارك فقرة فرقة “بوديس”، و الذي مثلته نساء حرائر متألقات بـ اللباس الأمازيغي الحر وحليهن الفضية العريقة. هذا الامتزاج البديع بين الإيقاعات الألمانية العصرية والوجدان الأمازيغي المغربي الضارب في عمق التاريخ، أكد أن فاس تظل المنارة الحقيقية لحوار الأديان والثقافات، مستحقةً العلامة الكاملة في ليلة ناجحة ومبهرة بكل المقاييس الفنية والجماهيرية.
زلزال الأحكام القضائية يُلقي بظلاله: نهاية زمن تبديد المال العام
لكن هذا النجاح الفني الباهر لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق حساس للغاية؛ حيث ألقى الحكم القضائي الأخير بظلاله على كواليس المهرجان، بعد إدانة الرئيس السابق لمؤسسة “روح فاس”، عبد الرفيع الزويتن، ومن معه بعقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية ثقيلة. وهي الأحكام التي جاءت بناءً على تقارير سوداء كشفت عن اختلالات مالية وإدارية جسيمة شابت سنوات تسييره، تجلت في هدر فظيع للمال العام في رحلات خاصة بالطائرات، والمكوث في فنادق عالمية فاخرة على حساب المؤسسة، وغيرها من الجرائم المقترفة التي أفرغت ميزانية المهرجان من محتواها الإشعاعي.
أمام هذا الوضع المقلق الذي كاد يعصف بالدورة الـ29، ظهرت حنكة وحزم السلطات الولائية؛ حيث تمكن والي جهة فاس-مكناس، خالد آيت طالب، من تدارك الموقف بحس وطني عالٍ، معطياً تعليماته الصارمة لترتيب البيت الداخلي، وتكليف مصطفى إيجاعلي رئيس جامعة محمد بنعد الله، بالإشراف على تنظيم الدورة الحالية، مع إبعاد أزويتن بصفة نهائية عن فضاءات فاس ومؤسساتها الثقافية.
الحضور الوازن لآيت طالب والعدوي: رسائل سياسية صارمة من باب المكينة
إن الرسالة الأقوى التي التقطتها عدسات الصحافة والمراقبون ليلة أمس، تجلت في الحضور الميداني الوازن والمواكبة الدقيقة لفقرات المهرجان من طرف الوالي خالد آيت طالب، والذي كان مرفوقاً في منصة باب المكينة بشخصية من العيار الثقيل: السيدة زينب العدوي، رئيسة المجلس الأعلى للحسابات.
هذا الحضور المشترك لـ “رجل الإدارة الترابية” و”حامية المال العام” في الليلة الثانية يحمل دلالات وإشارات سياسية بالغة الأهمية:
-
أولاً: إعطاء دعم قوي ومباشر لاستمرارية المهرجان وتأكيد هيبته الدولية تحت الرعاية الملكية السامية.
-
ثانياً: تجسيد واضح وملموس لانتهاء زمن الفوضى والتلاعب بأموال دافعي الضرائب، وأن هناك عيوناً ساهرة تحرس المال العام وتربط المسؤولية بالمحاسبة.
-
ثالثاً: إعلان صريح عن الدفع بتقوية مؤسسة “روح فاس” والقطع مع الوجوه المحروقة والانتهازية التي عاثت في القطاع فساداً.
تجفيف المنابع: دعوة لإبعاد “الوجوه المحروقة” والمتزلفين
بالرغم من النجاح التنظيمي، لا تزال الساحة الثقافية بفاس تطالب بتطهير شامل؛ إذ يرى مهتمون وشرفاء المدينة أن استمرار تحكم فاعلين سياسيين ينتمون إلى أحزاب معروفة في مفاصل هيئات ثقافية عريقة مثل جمعية “فاس سايس”، يعد وضعاً غير صحي بالمرة، ويساهم في تمييع المشهد الثقافي وتحويله إلى مطية للمصالح الانتخابية الضيقة.
وما يثير الاستياء أكثر، هو استمرار بعض “الوجوه المحروقة” والانتفاعية في الترامي والتزلف للمسؤولين في صورة مقززة تسيء لهيبة المهرجان، وتظهر بشكل مفضوح حتى في الصفوف الأمامية وكواليس فقرات باب المكينة. إن هذه السلوكات البائدة هي التي ساهمت، إلى جانب سوء التدبير السابق، في إيصال حاضرة فاس إلى حالة من الإفلاس الاقتصادي والثقافي الشامل.
نحو استقدام وجوه نظيفة لإنقاذ عاصمة الثقافة
إن السلطات الولائية والجهات الوصية اليوم أمام مسؤولية تاريخية للقطع الجذري مع ممارسات الماضي. لقد حان الوقت للتفكير الجدي في القطع مع حالة العود و الوجوه البائسة و المحروقة ،و الدفع بضخ دماء جديدة، واستقدام وجوه نظيفة، كفاءات وطنية حقيقية مشهود لها بنظافة اليد والخبرة العالية في القطاع الثقافي والفني، مع الدفع بإبعاد الوجوه الانتهازية والمتزلفة التي تقتات على حساب بريق المدينة.
إن الرعاية الملكية السامية للمهرجان هي الحصن الحصين الذي يفرض على الجميع الارتقاء بالتدبير إلى مستوى تطلعات جلالة الملك، وجعل “مهرجان الموسيقى العالمية العريقة” قاطرة للتنمية الحقيقية، والجمال الفني الخالص، والشفافية المطلقة، لإعادة الاعتبار لفاس الفكر، وفاس التاريخ، وفاس الروح.





