سياسة

تحصين الانتخابات يبدأ من اللوائح.. ودورية رئاسة النيابة العامة خطوة مهمة تحتاج إلى إجراءات ميدانية أكثر جرأة

في توقيت سياسي دقيق يسبق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وجهت رئاسة النيابة العامة رسالة واضحة إلى مختلف المسؤولين القضائيين عبر المملكة، تدعو فيها إلى التطبيق الصارم للقانون والتصدي بحزم لكل الممارسات التي من شأنها المس بنزاهة وشفافية عملية القيد في اللوائح الانتخابية، باعتبارها المدخل الحقيقي لتشكيل الهيئة الناخبة والأساس الذي تبنى عليه مختلف مراحل العملية الانتخابية.

وتكتسي هذه الدورية أهمية خاصة لأنها تعيد التأكيد على أن حماية الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع، بل تنطلق من المراحل الأولى المرتبطة بإعداد اللوائح الانتخابية وضمان سلامتها من أي تلاعب أو توجيه أو استغلال غير مشروع.

لقد أدرك المشرع المغربي منذ سنوات حساسية هذه المرحلة، لذلك خصص ترسانة قانونية تتضمن عقوبات زجرية لكل الأفعال التي تمس بمصداقية التسجيل في اللوائح الانتخابية أو تستهدف التأثير على مكونات الهيئة الناخبة بوسائل مخالفة للقانون. غير أن التجربة الميدانية أظهرت أن النصوص القانونية وحدها، مهما بلغت صرامتها، لا تكفي لضمان نزاهة المسار الانتخابي إذا لم تقترن بإجراءات عملية صارمة وآليات مراقبة فعالة.

ومن هذا المنطلق، فإن دورية رئاسة النيابة العامة تمثل خطوة مؤسساتية مهمة ورسالة قوية لكل من يفكر في الالتفاف على القواعد القانونية المنظمة للعملية الانتخابية، لكنها في المقابل تطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بكيفية ترجمة هذه التوجيهات إلى ممارسات ميدانية ملموسة قادرة على ردع المخالفين وإعادة الثقة إلى المواطن في سلامة المسلسل الانتخابي.

إن نجاح أي إصلاح انتخابي أو إجراء رقابي يقتضي قبل كل شيء ترسيخ مسافة واضحة بين الإدارة العمومية والعمل الحزبي. فالمؤسسات العمومية مطالبة بالاحتفاظ بحيادها الكامل تجاه مختلف الفاعلين السياسيين، وأن تبقى خدماتها وقراراتها ومرافقها بعيدة عن أي تأويل انتخابي أو توظيف سياسي قد يثير الشكوك أو يضعف الثقة في مؤسسات الدولة.

كما أن تعزيز نزاهة الانتخابات يمر أيضاً عبر القطع مع كل المظاهر التي تساهم في تغذية الشائعات والتأويلات التي تتداولها الأوساط السياسية والمجتمعية حول وجود علاقات غير صحية بين بعض المنتخبين أو المسؤولين الحزبيين وبين جهات أو مصالح يفترض فيها الحياد التام. فحتى عندما تكون هذه الأحاديث مجرد إشاعات أو انطباعات غير مؤسسة، فإن استمرارها دون وضوح أو دون تكريس صارم لمبدأ الحياد المؤسساتي ينعكس سلباً على صورة العملية الديمقراطية برمتها.

وتبقى مسؤولية مختلف المتدخلين، من سلطات وإدارات ومؤسسات عمومية، قائمة في حماية هذا الرصيد من الثقة عبر الالتزام الصارم بقواعد التجرد والحياد والمساواة بين جميع الفاعلين السياسيين، لأن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على تنظيم الانتخابات، بل أيضاً بقدرتها على ضمان شعور جميع المتنافسين بأن قواعد اللعبة واحدة وتطبق على الجميع دون استثناء.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى رفع مستوى اليقظة خلال الفترة المقبلة، ليس فقط في ما يتعلق بعمليات التسجيل في اللوائح الانتخابية، بل أيضاً تجاه كل الممارسات السابقة لأوانها التي قد تؤثر على إرادة الناخبين أو تستغل مواقع النفوذ أو الخدمات العمومية أو الأنشطة ذات الطابع المؤسساتي لتحقيق مكاسب انتخابية غير مشروعة.

إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بتنظيم انتخابات في موعدها الدستوري، وإنما ببناء مناخ انتخابي سليم يكرس تكافؤ الفرص ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات. وهي مسؤولية جماعية تتقاسمها الأحزاب والإدارة والقضاء والسلطات العمومية وهيئات الرقابة والمجتمع المدني.

ولذلك فإن دورية رئاسة النيابة العامة تشكل بلا شك خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل جزءاً من منظومة أوسع تحتاج إلى التطبيق الصارم للقانون، والتتبع الميداني المستمر، والتدخل السريع عند تسجيل أي تجاوزات، حتى يكون عنوان المرحلة المقبلة هو النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا الاكتفاء بالشعارات أو النوايا الحسنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى