سياسة

العلبة السوداء لـ “كومادر”: هل حان الوقت لتفكيك “غول” التوازنات الفلاحية بالمغرب؟

بينما يكتوي المواطن المغربي بنيران أسعار غير مسبوقة أتت على الأخضر واليابس، وتحولت معها الأسواق الأسبوعية والمحلات التجارية إلى ساحات مواجهة يومية بين قفة فارغة وغلاء فاحش، يطرح الشارع المغربي والمراقبون الاقتصاديون سؤالاً حارقاً ومشروعاً: من يمسك بخيوط اللعبة الفلاحية في المغرب؟ ومن يستفيد من هندسة الندرة وتوزيع “غنائم” التصدير والاستيراد على حساب القوت اليومي للمغاربة؟

إن الإجابة عن هذه الأسلة تقود مباشرة إلى تفكيك شفرات “العلبة السوداء” للقطاع الفلاحي بالمغرب، والمتمثلة في الكنفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية المعروفة اختصاراً بـ “كومادر” (COMADER). هذا التكتل الذي تحول، بحسب مهنيين ومحللين، من مجرد إطار تمثيلي إلى “ذراع تنفيذي وتوجيهي” عابر للحكومات، يتحكم في مفاصل السياسة الفلاحية، وصناعة القرار داخل وزارة الفلاحة، وتوجيه الدعم، ورسم خارطة التصدير والاستيراد.

رشيد بنعلي: “العلبة السوداء” وهندسة النفوذ الفلاحي

منذ تولّي رشيد بنعلي رئاسة “كومادر”، باتت الكنفدرالية توصف في الصالونات السياسية والاقتصادية بالباطرونا الفلاحية التي لا تُرد لها رغبة. بنعلي، المعروف بقربه الشديد من رئيس الحكومة عزيز أخنوش (مهندس مخطط المغرب الأخضر ووزير الفلاحة لسنوات طويلة)، أصبح يمثل القوة الضاربة التي يرى الكثيرون أنها تبسط نفوذها حتى على الوزراء الذين تعاقبوا على حقيبة الفلاحة بعد رحيل أخنوش إلى رئاسة الحكومة.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن “كومادر” لم تعد مجرد شريك استشاري، بل تحولت إلى مركز قرار يملك سلطة توجيه كراسات الشروط، وتحديد حصص التصدير، ورسم لوائح المستفيدين من رخص استيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء.و كذلك كيف يدبر توزيع الدعم المقدم للفلاح، هذا النفوذ الواسع يطرح علامات استفهام كبرى حول حدود التداخل بين المال والسلطة، وحول الكيفية التي تُدبر بها قطاعات حيوية تمس الأمن الغذائي للمغاربة.

لغز الدعم الحكومي السخي: مال الشعب في جيوب “الكبار”

هنا نصل إلى جوهر الفضيحة وعمق الجرح؛ ففي عهد حكومة عزيز أخنوش، رُصدت ميزانيات ضخمة وضُخّت مليارات الدراهم من أموال دافعي الضرائب تحت مسمى “الدعم الحكومي السخي” لإنقاذ الموسم الفلاحي وتخفيف العبء عن الكسابة والمزارعين. لكن السؤال الحارق والأكثر استفزازاً للمغاربة هو: من يستفيد فعلياً من هذا الدعم؟ ومن يوزعه؟ ومن يضع القوائم النهائية للمستفيدين؟

المعطيات المتواترة تؤكد أن “كومادر” تلعب دور المايسترو الخفي في هندسة هذا الدعم وتنزيل لوائحه. وبدلاً من أن تتوجه هذه المليارات لدعم الفلاح البسيط أو الكساب الصغير الذي يصارع الإفلاس في غياهب المغرب العميق، تحولت قنوات الدعم إلى مسارات دائرية تصب في مصلحة الشركات الكبرى، والمصدرين النافذين، والمنتمين لدائرة النفوذ المحيطة بالباطرونا الفلاحية. إنها عملية “توزيع غنائم” مقننة، يُحرم منها الفلاح الحقيقي الذي يواجه الجفاف بصدر عارٍ، بينما تتدفق الأموال العامة بسخاء على حسابات كبار المستثمرين ليواصلوا مراكمة الأرباح من التصدير.

من رخاء “الفلاح الصغير” إلى نار الأسعار: أين الثروة الفلاحية؟

عاش المغرب لقرابة عقود على إيقاع معادلة فلاحية متوازنة، كان فيها الفلاح الصغير والمتوسط يعيش في رخاء نسبي، وينتج ما يكفي لتحقيق الاكتفاء الذاتي للمواطن بأسعار معقولة تناسب القدرة الشرائية المحلية. لكن السياسات الأخيرة، الموجهة بشكل شبه كامل نحو التصدير والتي دافعت عنها “كومادر” بشراسة، قلبت الآية وحولت الفلاحة المغربية إلى جحيم مستعر.

اليوم، تُصدّر الخضر والفواكه المغربية شرقاً وغرباً، وتغزو الأسواق الإفريقية والأوروبية، في وقت يكتوي فيه المغاربة بنيران الأسعار الحارقة. والمفارقة الصادمة تتجلى في غياب أي جبهة دفاعية حقيقية عن المنتج المغربي حين يتعرض للمضايقات أو الاستباحة في الموانئ والطرقات الأوروبية من طرف المزارعين الأجانب؛ فلا “كومادر” تحركت لحماية كرامة السلع الوطنية، ولا الجهات الرسمية دافعت عنها، بل تكتفي هذه الاحتكارات بجني الأرباح بالعملة الصعبة، تاركة المغاربة يواجهون تبعات استنزاف الفرشة المائية والغلاء الفاحش.

أضحية العيد والاستيراد: “كعكة” الدعم وتوزيع الغنائم

لعل ما شهده الموسم الأخير، وخاصة أزمة أضحية العيد والارتفاع الصاروخي لأسعار اللحوم الحمراء، يمثل دليلاً دامغاً على الخلل البنيوي في إدارة الأزمات الفلاحية. تساءل المغاربة بكثير من الاستياء: من يقف وراء هندسة الندرة؟ ومن سمح بتحول شعيرة دينية إلى وسيلة للاغتناء السريع؟

الجواب يكمن في هندسة عمليات الاستيراد؛ حيث رُصد دعم حكومي استثنائي (500 درهم عن كل رأس غنم مستورد بالإضافة إلى إعفاءات ضريبية وجمركية كبرى) صُرف من المال العام و لم ينجح البرنامج و لم تنخفظ الأسعار،و بعدها إنتقلت الحكومة الى توزيع الدعم على الفلاح لكن الأزمة ظلت قائمة و أخرها ما وقع خلال عيد الأضحى، لكن الأسئلة الحارقة تظل معلقة:

  • من استفاد من لوائح المستوردين المقربين في قطاع اللحوم و القطيع؟

  • كيف تم توزيع حصص الاستيراد؟

  • ولماذا لم ينعكس هذا الدعم الحكومي السخي على جيب المواطن البسيط، وظلت الأسعار ملتهبة في الأسواق؟

في المقابل، برزت على السطح ظواهر غريبة كنشاط “الفراقشية” والمضاربة المنظمة في الأسواق الأسبوعية، وهي ظواهر انتعشت في ظل غياب المراقبة الصارمة وضعف سلاسل التوزيع الحقيقية التي تضمن وصول المنتج من الكساب إلى المستهلك دون وسطاء ومضاربين محظوظين مححميين بستار “كومادر”.

المال العام والمؤتمرات الدولية: بذخ بلا مردودية

في الوقت الذي يعاني فيه مغرب ما بعد جائحة كورونا وسنوات الجفاف المتتالية من تراجع حاد في القدرة الشرائية، تستمر “كومادر” في عقد المؤتمرات الفخمة، والمشاركة في المنتديات والملتقيات الدولية، وصرف ميزانيات ضخمة تُستخلص في جزء كبير منها من المال العام والدعم الحكومي الموجه للقطاع.

هذا البذخ التنظيمي يواجهه غياب شبه تام للمردودية على أرض الواقع بالنسبة للمواطن البسيط أو الفلاح الصغير والكساب الذي يواجه شبح الإفلاس والجفاف بمفرده. إن استمرار هذه اللقاءات الدولية دون تحقيق نتائج ملموسة تساهم في خفض الأسعار أو ضمان الأمن الغذائي الوطني، يكرس الانطباع بأن هذه الهيئات باتت تعيش في برج عاجي منفصل تماماً عن واقع المغاربة البسطاء.

 مغرب ما بعد كورونا يحتاج إلى المحاسبة

إن المغرب في مرحلة ما بعد جائحة كورونا والتقلبات الجيوسياسية والمناخية الحالية، ليس هو مغرب سنوات الرخاء السابقة. الأزمات المتتالية تفرض نمطاً جديداً من الحكامة والشفافية والربط الحقيقي للمسؤولية بالمحاسبة. بناءً عليه، فإن فتح “العلبة السوداء” لـ “كومادر” والنبش في ملفاتها وطرق تدبيرها للقطاع الفلاحي والصناعة الفلاحية، لم يعد مجرد ترف فكري أو تصفية حسابات سياسية، بل أضحى ضرورة وطنية ملحة لا تقبل التأجيل.

لقد حان الوقت لطرح تساؤلات جدية ومسؤولة أمام القضاء والأجهزة الرقابية للدولة:

  1. من سمح لـ “كومادر”  بهذا الامتداد والاختراق الواسع لقطاع الفلاحة والصناعات الغذائية؟

  2. أين تذهب مليارات الدعم السخي لحكومة أخنوش، ولماذا تُقصى منها الفئات الهشة والمزارعون الحقيقيون؟

  3. كيف تُوزع كعكة التصدير والاستيراد وحصص المستوردين المقربين؟

إن حماية السلم الاجتماعي وتأمين السيادة الغذائية للمملكة يمران حتماً عبر تفكيك هذه الاحتكارات، وإعادة الاعتبار للفلاح الصغير، وجعل القوت اليومي للمغاربة خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مسمى من مسميات التصدير أو الأرباح الفئوية الضيقة. إنها دعوة صريحة لفتح ملف “كومادر” وإظهار نتائج التحقيقات بكل شفافية أمام الرأي العام الوطني.

دق ناقوس الخطر: الأمن الاجتماعي في مهب الريح

في نهاية المطاف، يجب أن يعي الجميع أن الاستمرار في هذا المسار الضبابي، وتغليب منطق الريع وتوزيع الغنائم الفلاحية على حساب القوت اليومي للمغاربة، ليس سوى جمر يتقد تحت الرماد. إذا استمر هذا الوضع المائل، ولم تتحرك الأجهزة الرقابية والقضائية لتفعيل المبدأ الدستوري القاضي بـ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والكشف عن تفاصيل الملفات المظلمة لـ “كومادر” وكيفية تبديد الدعم السخي، فإن الأمن الاجتماعي للمملكة سيكون مهدداً بالانفجار في أي لحظة. إن اللعب بلقمة عيش المواطن وقدرته على البقاء هو مغامرة غير محسوبة العواقب، وإذا ما آلت الأوضاع -لا قدر الله- إلى ما لا تحمد عقباه، فسيسجل التاريخ بمداد من نار أن القطاع الفلاحي وسياسات الاحتكار والاقصاء، هي التي قادت البلاد والعباد إلى حافة الانفجار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى