المجموعة الصحية الترابية لفاس ـ مكناس.. هل تنجح “الثورة الإدارية” الجديدة في إنقاذ قطاع الصحة من تراكمات سنوات الاختلال؟

تتجه الأنظار بجهة فاس ـ مكناس إلى الاجتماع المرتقب للمجلس الإداري للمجموعة الصحية الترابية للجهة، المنتظر عقده يوم الإثنين 9 يونيو 2026 برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في محطة توصف بأنها مفصلية ضمن مسار تنزيل أكبر ورش إصلاحي يشهده قطاع الصحة بالمملكة منذ عقود.
ويأتي هذا الاجتماع في سياق تسريع تفعيل المجموعات الصحية الترابية، باعتبارها أحد أهم أعمدة الإصلاح الصحي الوطني المرتبط بورش تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة المنظومة الصحية وفق نموذج جديد للحكامة والتدبير الجهوي.
من المديريات الإقليمية إلى التدبير الجهوي الموحد
وتقوم فلسفة المجموعات الصحية الترابية على إحداث مؤسسة عمومية جهوية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، تتولى تدبير مختلف المؤسسات الصحية والاستشفائية داخل الجهة، بما فيها المستشفيات الجهوية والإقليمية والمحلية ومراكز الرعاية الصحية الأولية.
ويهدف هذا النموذج إلى تجاوز التشتت الإداري الذي طبع تدبير القطاع الصحي لسنوات، عبر توحيد القرار الصحي على المستوى الجهوي وتحسين توزيع الموارد البشرية والتجهيزات والاعتمادات المالية، مع منح المسؤولين الجهويين هامشاً أوسع للتدخل واتخاذ القرار وفق خصوصيات كل جهة.
ويرى متابعون أن جهة فاس ـ مكناس ستكون أمام اختبار حقيقي، بالنظر إلى حجم التحديات التي راكمتها المنظومة الصحية خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى الخصاص في الموارد البشرية أو الضغط المتزايد على المؤسسات الاستشفائية أو التفاوتات المجالية بين المراكز الحضرية والمناطق القروية والجبلية.
عبد الكريم الداودي.. طبيب وجراح ومدير عام أمام تحدي الإصلاح
وفي خطوة تعكس الرهان على الكفاءات الطبية والإدارية، تفضل جلالة الملك محمد السادس خلال المجلس الوزاري المنعقد يوم 9 أبريل 2026 بتعيين البروفيسور عبد الكريم الداودي مديراً عاماً للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس ـ مكناس، باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من وزير الصحة والحماية الاجتماعية.
ويعتبر الداودي من الأسماء البارزة في مجال جراحة العظام والمفاصل، كما راكم تجربة مهمة في التدبير الصحي وخبر المركز الإستشفائي الجامعي السحن الثاني بفاس خلال إشتغاله بقسم جراحة العظام و المفاصل،و بعد ذلك توليه مسؤولية إدارة المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة في فترة مفصلية بجهة الشرق، وهو المنصب الذي مكنه من الاحتكاك المباشر بإكراهات التدبير الاستشفائي والموارد البشرية والميزانيات والتجهيزات الطبية.
ويجمع عدد من المهنيين على أن نجاح الرجل لن يقاس فقط بخبرته الطبية، بل بقدرته على بناء نموذج إداري جديد قادر على إحداث القطيعة مع عدد من الاختلالات التي عانى منها القطاع الصحي لسنوات طويلة.
اختلالات مزمنة تنتظر الحل
ورغم الاستثمارات المهمة التي عرفها قطاع الصحة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال ساكنة جهة فاس ـ مكناس تشتكي من مجموعة من الإشكالات المرتبطة بطول مواعيد الاستشفاء والعمليات الجراحية، والضغط الكبير على المستشفى الجامعي الحسن الثاني بفاس، ونقص بعض التخصصات الطبية، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية بالمناطق القروية والجبلية.
كما تواجه المؤسسات الصحية تحديات مرتبطة بتدبير الموارد البشرية، حيث يظل توزيع الأطباء والممرضين بين الأقاليم غير متوازن في عدد من الحالات، فضلاً عن الإكراهات المرتبطة بالتجهيزات والصيانة والصفقات العمومية والرقمنة وتدبير الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتشير دراسات متخصصة حول المستشفيات العمومية بالمغرب إلى استمرار الحاجة إلى تحسين النجاعة التدبيرية واستغلال الموارد المتاحة بشكل أكثر فعالية، بما يضمن جودة أفضل للخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
الرهان الحقيقي: الحكامة قبل البنايات
ويرى خبراء في السياسات الصحية أن الإصلاح الحالي لا يتعلق فقط ببناء مستشفيات جديدة أو اقتناء تجهيزات إضافية، بل يرتبط أساساً بإرساء حكامة حديثة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق النجاعة في الإنفاق العمومي.
فالمجموعة الصحية الترابية مطالبة بإرساء منظومة تدبير حديثة تعتمد الرقمنة وتوحيد الأنظمة المعلوماتية وتطوير آليات التخطيط وتتبع الأداء، بما يضمن استجابة أسرع لحاجيات المواطنين. كما أن نجاحها سيكون رهيناً بقدرتها على خلق تنسيق فعلي بين مختلف المؤسسات الصحية التابعة للجهة.
هل تنجح فاس ـ مكناس في كسب الرهان؟
السؤال الذي يطرحه اليوم مهنيون وفاعلون ومرضى على حد سواء هو: هل ستتمكن المجموعة الصحية الترابية من تجاوز اختلالات تراكمت عبر عقود؟
الجواب لن يكون مرتبطاً بالأشهر الأولى من عمل المؤسسة الجديدة، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، من خلال تقليص آجال المواعيد الطبية، وتحسين الاستقبال، وتوفير الأدوية والتجهيزات، وتخفيف الضغط عن المستشفيات الكبرى، وضمان عدالة مجالية حقيقية في الولوج إلى العلاج.
ومع اقتراب أول اجتماع للمجلس الإداري للمجموعة الصحية الترابية لفاس ـ مكناس، تبدو الجهة على موعد مع مرحلة جديدة من التدبير الصحي، مرحلة تحمل الكثير من الآمال، لكنها في الوقت نفسه تضع المسؤولين أمام مسؤولية ثقيلة تتمثل في تحويل الإصلاحات القانونية والمؤسساتية إلى خدمات صحية ملموسة تعيد ثقة المواطنين في المرفق العمومي الصحي.
فبعد سنوات من الشكاوى والانتظارات، لم يعد المواطن يبحث عن تشخيص جديد للمشكلات، بل عن حلول عملية ونتائج ميدانية تؤكد أن ورش إصلاح الصحة انتقل فعلاً من مرحلة النصوص والقوانين إلى مرحلة الإنجاز والتغيير الحقيقي على أرض الواقع.





