قضايا

حرائق مبكرة تدق ناقوس الخطر بالمغرب… ارتفاع الحرارة يشعل الحقول والغابات ويدفع نحو إعلان حالة تأهب قصوى

بدأ شبح الحرائق يخيّم مبكراً على عدد من مناطق المغرب هذا الموسم، في مؤشر مقلق يعكس التحولات المناخية الحادة وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير معتادة خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما شهدت عدة أقاليم اندلاع حرائق متفرقة أتت على مساحات مهمة من الحقول الزراعية والغابات، خاصة حقول الحبوب التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع موجات الحر والجفاف والرياح الساخنة.

وفي الوقت الذي كان فيه الفلاحون يترقبون موسم حصاد ينقذ جزءاً من خسائر السنوات الماضية، تحولت مساحات واسعة من سنابل القمح والشعير في بعض المناطق إلى رماد في ظرف دقائق، بفعل حرائق اندلعت بشكل متسارع وساهمت فيها درجات الحرارة المرتفعة والغطاء النباتي الجاف، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من صيف ملتهب قد يكون من بين الأصعب خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، أعلنت الوكالة الوطنية للمياه والغابات أنها ستصدر، ابتداءً من اليوم الثلاثاء وإلى غاية يوم الجمعة المقبل، خرائط تنبؤية دقيقة لتحديد المناطق الأكثر عرضة لخطر اندلاع الحرائق الغابوية، وذلك اعتماداً على معطيات علمية ومؤشرات ميدانية مرتبطة بطبيعة الغطاء الغابوي وقابليته للاشتعال، إضافة إلى الظروف المناخية والطبوغرافية السائدة بعدد من الأقاليم المغربية.

وأكدت الوكالة أن مستوى الخطورة القصوى، المصنف باللون الأحمر، يشمل أقاليم القنيطرة والخميسات والرباط وسلا والصخيرات-تمارة، وهي مناطق باتت مهددة بشكل كبير بسبب ارتفاع درجات الحرارة وسرعة انتشار النيران في الغطاء النباتي الجاف.

كما حددت الوكالة مستوى خطورة مرتفعاً، المصنف باللون البرتقالي، في أقاليم شفشاون والفحص أنجرة وطنجة أصيلة وإفران وتاونات والصويرة وأكادير إدا أوتانان، بينما شملت درجة الخطورة المتوسطة، المصنفة باللون الأصفر، أقاليم العرائش ووزان وتطوان والمضيق الفنيدق وتازة.

وتأتي هذه التحذيرات في سياق مناخي استثنائي تعيشه المملكة، بعدما سجلت عدة مناطق درجات حرارة تفوق معدلاتها الموسمية المعتادة، الأمر الذي ساهم في جفاف الأعشاب والغطاء النباتي بشكل مبكر، وجعل أي شرارة بسيطة قادرة على تحويل مساحات واسعة إلى بؤر ملتهبة في وقت قياسي.

وبات واضحاً أن المغرب دخل فعلياً مرحلة الخطر المرتبط بحرائق الصيف قبل موعدها التقليدي، وهو ما يفرض، بحسب متابعين وخبراء بيئيين، رفع مستوى التأهب واليقظة إلى الدرجة القصوى، سواء من طرف السلطات المحلية أو مصالح الوقاية المدنية أو مختلف المتدخلين في المجال الغابوي والفلاحي.

فالحرائق لم تعد تهدد فقط الغابات، بل أصبحت تضرب بشكل مباشر الأمن الغذائي للفلاحين الصغار، بعد احتراق حقول للحبوب ومزارع ومراعي في عدد من المناطق، وهو ما ينذر بخسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة إذا استمرت موجات الحرارة الحالية خلال الأسابيع المقبلة.

كما أن خطورة الوضع لا ترتبط فقط بالعوامل الطبيعية، بل أيضاً بالسلوك البشري، حيث تسجل كل سنة عشرات الحرائق الناتجة عن الإهمال أو الرمي العشوائي لأعقاب السجائر أو إشعال النار قرب الغابات والحقول، إضافة إلى بعض الممارسات غير المسؤولة التي تتحول مع الحرارة المرتفعة إلى كوارث حقيقية.

ومن هذا المنطلق، دعت الوكالة الوطنية للمياه والغابات السكان المجاورين للمجالات الغابوية، والعاملين بها، وكذا المصطافين والزوار، إلى التحلي بأقصى درجات الحيطة والحذر، وتفادي أي نشاط قد يتسبب في اندلاع الحرائق، مع ضرورة التبليغ الفوري عن أي دخان أو تحركات مشبوهة قد تشكل خطراً على الغطاء الغابوي أو الأراضي الزراعية.

ويرى متابعون أن مواجهة حرائق هذا الصيف تتطلب تعبئة استباقية شاملة، ليس فقط عبر التدخل بعد اندلاع النيران، بل أيضاً من خلال تعزيز المراقبة الميدانية، وتكثيف حملات التحسيس، وتوفير الوسائل اللوجستية الكافية للتدخل السريع، خاصة في المناطق القروية والجبلية التي تعرف كثافة غابوية وزراعية مرتفعة.

وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يعيشها العالم، يبدو أن المغرب بدوره بات مطالباً بإعادة النظر في استراتيجيته لمواجهة الحرائق والكوارث الطبيعية، خصوصاً مع تسجيل مواسم جفاف متتالية وارتفاع درجات الحرارة بوتيرة غير مسبوقة، ما يجعل كل صيف جديد اختباراً حقيقياً لقدرة البلاد على حماية غاباتها وثروتها الزراعية والبيئية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى