أخنوش يسرّع تنزيل إصلاح الصحة من أكادير والعيون… المجموعات الصحية الترابية تدخل مرحلة التنفيذ الجهوي الفعلي

دخل ورش إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب مرحلة جديدة عنوانها “التنزيل الجهوي الفعلي”، بعدما ترأس رئيس الحكومة عزيز أخنوش، يوم الإثنين، أشغال أولى المجالس الإدارية للمجموعات الصحية الترابية بكل من جهة سوس-ماسة بمدينة أكادير، وجهة العيون-الساقية الحمراء بمدينة العيون، في خطوة تعكس تسريع الحكومة لتفعيل أحد أكبر الأوراش الاجتماعية المرتبطة ببناء الدولة الاجتماعية وإعادة هيكلة القطاع الصحي الوطني.
وتأتي هذه الاجتماعات في سياق تنزيل الإصلاح العميق الذي تعرفه المنظومة الصحية المغربية، تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى ضمان الولوج العادل إلى العلاج وتحسين جودة الخدمات الصحية وتقريبها من المواطنين، خصوصاً بالعالم القروي والمناطق البعيدة.
من المركزية إلى الجهوية الصحية
وخلال ترؤسه أشغال المجلس الإداري الأول للمجموعة الصحية الترابية بجهة سوس-ماسة، أكد رئيس الحكومة أن هذه المجموعات لا تمثل مجرد مؤسسات إدارية جديدة، بل تشكل تحولاً هيكلياً عميقاً في طريقة تدبير القطاع الصحي، يقوم على الانتقال من منطق التدبير المركزي إلى حكامة صحية جهوية مندمجة.
وأوضح أخنوش أن الهدف من هذا الورش يتمثل في توحيد القرار الصحي داخل كل جهة، وربط التخطيط بالميزانية، وربط الموارد بالحاجيات الحقيقية للساكنة، مع اعتماد منطق النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج، بما يسمح بتحسين الأداء الصحي وتجويد الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويرى متابعون أن هذا التحول يمثل أحد أكبر الإصلاحات البنيوية التي يشهدها قطاع الصحة بالمغرب منذ عقود، خصوصاً وأنه يهدف إلى خلق استقلالية تدبيرية على المستوى الجهوي، تسمح لكل جهة بتحديد أولوياتها الصحية وفق خصوصياتها الديمغرافية والاجتماعية والمجالية.
أكادير… سوس-ماسة تدخل مرحلة التشغيل الصحي الجديد
وفي مدينة أكادير، صادق مجلس إدارة المجموعة الصحية الترابية بجهة سوس-ماسة على ميزانية سنة 2026، وبرنامج العمل الخاص بالفترة 2026-2027، إضافة إلى الهيكل التنظيمي والنظام الأساسي النموذجي لمهنيي الصحة العاملين بالمجموعة. كما تم الإعلان عن أن الانطلاقة الفعلية للمجموعة ستكون خلال شهر غشت المقبل.
وشهد الاجتماع أيضاً تقديم عرض مفصل حول التصور التنظيمي والطبي والمالي للمجموعة الصحية الجديدة، التي ستشرف على تدبير مختلف المؤسسات الصحية بالجهة ضمن رؤية موحدة، تهدف إلى تحسين مسار المريض وتنسيق الخدمات بين الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات والطب الجامعي.
كما تم تسليط الضوء على الدور المحوري الذي سيلعبه المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير داخل المنظومة الصحية الجديدة، باعتباره واحداً من أكبر المشاريع الصحية الحديثة بالمملكة، بطاقة استيعابية تصل إلى 867 سريراً، ويقدم خدماته لأزيد من ثلاثة ملايين مواطن بجهة سوس-ماسة والجهات المجاورة.
ولفتت المعطيات الرسمية إلى أن هذا المركز يعد من بين المؤسسات الصحية الرائدة على المستوى الإفريقي، خاصة بعد اعتماده تقنيات متطورة في الجراحة الروبوتية والتدخلات الطبية الدقيقة.
العيون… الصحة في قلب النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية
وبمدينة العيون، ترأس رئيس الحكومة أول مجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية بجهة العيون-الساقية الحمراء، لتصبح بذلك رابع جهة مغربية تدخل هذا الورش الإصلاحي بعد طنجة-تطوان-الحسيمة والرباط-سلا-القنيطرة وسوس-ماسة.
وأكد أخنوش أن إطلاق هذه المجموعة يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى العناية الملكية المتواصلة بالأقاليم الجنوبية، مشيراً إلى أن المشروع سيمكن من توفير عرض صحي متكافئ وقريب وذي جودة لفائدة ساكنة الجهة، في انسجام مع الدينامية التنموية الكبرى التي تعرفها الصحراء المغربية.
كما جرى خلال الاجتماع التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لمشروع المركز الاستشفائي الجامعي بالعيون، الذي يوجد في مراحله النهائية من الإنجاز بطاقة استيعابية تصل إلى 500 سرير، والذي ينتظر أن يشكل ركيزة أساسية لتطوير العرض الصحي بالأقاليم الجنوبية وتقليص الضغط على المستشفيات الحالية.
وسيمكن هذا المشروع، بحسب المعطيات المقدمة، من تعزيز تكوين طلبة كلية الطب والصيدلة بالجهة، إضافة إلى تقليص تنقل المرضى نحو مدن أخرى من أجل العلاج، وهو ما ينسجم مع أهداف النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015.
إصلاح صحي ضخم يغيّر بنية القطاع
ويعتبر مشروع المجموعات الصحية الترابية أحد الأعمدة الرئيسية للإصلاح الصحي الذي تراهن عليه الحكومة المغربية في إطار ورش تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة.
ويقوم هذا النموذج الجديد على تجميع مختلف المؤسسات الصحية داخل كل جهة تحت إدارة موحدة ومستقلة، بما يسمح بتحقيق التكامل بين المستشفيات والمراكز الصحية والموارد البشرية والتجهيزات الطبية، مع تجاوز الاختلالات التي كان يفرضها التدبير المركزي التقليدي.
كما يهدف المشروع إلى إعادة توزيع الأطر الصحية بشكل أكثر عدالة بين الجهات، وتحسين الحكامة وربط التمويل بالأهداف والنتائج، إضافة إلى تسريع الرقمنة الصحية وتطوير الخدمات الطبية المتخصصة.
ويرى متابعون أن نجاح هذا الورش سيشكل تحولاً حقيقياً في علاقة المواطن المغربي بالمرفق الصحي العمومي، خصوصاً في ظل الانتظارات الكبيرة المرتبطة بتحسين جودة العلاج وتقليص مواعيد الانتظار وضمان كرامة المرضى داخل المؤسسات الصحية.
الدولة الاجتماعية تدخل مرحلة التنفيذ
وتعكس الاجتماعات التي ترأسها رئيس الحكومة بأكادير والعيون أن الحكومة انتقلت من مرحلة وضع التصورات القانونية والمؤسساتية إلى مرحلة التنزيل الميداني الفعلي لإصلاح الصحة، وهو ما تعتبره السلطة التنفيذية جزءاً مركزياً من مشروع الدولة الاجتماعية الذي يشكل أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة.
وفي ظل التحديات التي يواجهها القطاع الصحي، سواء على مستوى الخصاص في الموارد البشرية أو التفاوتات المجالية أو الضغط المتزايد على المستشفيات، تراهن الحكومة على هذه المجموعات الصحية الترابية لإحداث قطيعة مع الاختلالات القديمة، وبناء نموذج صحي جهوي أكثر فعالية وإنصافاً واستجابة لحاجيات المواطنين.






